الغيب في المعركة والتغيير الكوني

 الإهداء
-   المقدمة  

 

الفصل الأول 

 الغيب
-   الغيب في حياة الرسول
      -   الغيب في العهد المكي
     -   الغيب في الهجرة
     -   الغيب في العهد المدني
     -   الغيب في غزوة بدر
     -   الغيب في غزوة أحد
     -   الغيب في غزوة الأحزاب
     -   الغيب في فتح خيبر
     -   الغيب في فتح مكة
     -   الغيب في غزوة حنين
     -   الغيب في معركة مؤتة
     -   الغيب في غزوة تبوك
 
-   وفــاة الرسول
  
الفصل الثاني
 
-   الغيب في عهد الصحابة
     -   الغيب في معركة اليرموك
     -   الغيب في فتح مصر
     -   الغيب في معركة القادسية
 
-     الغيب في الحروب الصليبية
 -   الغيب في الدولـة العثمانيــة
  
الفصل الثالث
 
-   حتمية النصر  ..  الصحوة الإسلامية قدر
 
     -   التحول في الجزائر
     -   التحول في مصر
     -   أثر حرب الأفغان في التغيير
     -   التحول في السودان
     -   التحول في تركيا
     -   التحول في الكرة الأرضية
 
-   زوال الإمبراطوريات التي ساهمت بقيام
     دولة إسرائيل
 
     -   زوال الإمبراطورية البريطانية
     -   زوال الإمبراطورية الفرنسيـــة
     -   زوال الإمبراطورية الألمانيــــة
     -   زوال السلطنة العثمانيــــــة
     -   زوال الإمبراطورية السوفياتيـة
     -   الزوال القائم للإمبراطورية الأمريكية
 
-   قواعد زوال الإمبراطوريات
 
-   التغيير الكوني في القرآن الكريم
 
الفصل الرابع
 
 -     تدمير الحضارة الغربية
 
     -   الآية الأولى في تدمير الحضارة المادية
     -   الآية الثانية في تدمير الحضارة المادية
 
-   مراحل تدمير دولة اليهود
 
-   التوكل والتواكل
 
 الفصل الخامس
 
 -   الحركات الإسلامية العاملة في الساحة
 
-   الحركات الإصلاحية
 
     -   الحركة الصوفية
     -   حركة الإخوان المسلمين
     -   حزب التحرير
     -   الدعوة السلفية
     -   حركة الدعوة والتبليغ
     -   حركات مختلفة
 
-   أسلوب الدعوة
  
الفصل السادس
  
-   الهجرة إلى الأرض المباركة

 

الإهـــداء

أقدم كتابي هذا إلى أهل الأرض المباركة في الداخل وفي الشتات ،  وإلى كل مفكر وعالم وسياسي مخلص ومجاهد يبحث عن الحقيقة ،  وإلى كل الأحزاب والتكتلات السياسية والنقابية . .  وإلى كل المسلمين في الأرض الذين جعلهم الله أمة واحدة وجعلهم أمناء على هذه الأرض المباركة  .

 أقــدم كتــابي هذا إلى كل شهـيد سقط على هذه الأرض وعلى كل أرض إسلاميـة . .  سقط في سبيل الله وإعلاء كلمة الله .  وإلى كل من ينتظر الشهادة في حرب الكفر كله وفي تحرير الأرض المباركة من أيدي يهود  .

 أقــدم كتــابي هذا ضــوءا على الطريق لمن أراد أن يستنـير ويهتدي سواء السبيــل  .

 

 المؤلـف

المقدمة 

 في جو الهزيمـة التي تعيشه الأمـة ؛ والظلام الذي يحيـط بها من كل جانب ؛ ظلمات بعضها فوق بعض كما قال الله تعالى (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) [ النور : 40 ]  .

 فهي تعيش في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض ؛ ظلمات التأخر الفكري والحضاري ؛ يعلوها ظلمات الجهل والأمية ؛ يعلوها ظلمات الخرافة والضلال يعلوها ظلمات الهزيمة والسخيمة ؛ يعلوها ظلمات الفكر المادي الملحد والعلماني ؛ يعلوها ظلمات التجزئة والدول على مستوى الحارات مما أوقع الأمة في اليأس والقنوط .  فكان لا بد لهذا الظلام من نور ليبدده ولهذا الليل من آخر ،  فجر يشرق على الأمة بنور الله بالنصر الحتمي والغلبة على أعداء الله والخلاص من التجزئة وقيام دولة الإسلام وذهاب دولة يهود  . 

وقد نتج عن هذا الوضع المؤلم وهذا الظلام الدامس أسئلة يرددها الناس في المجتمع  .

 هل إلى خلاص من سبيل ؟  وكيف ؟  . 

وهل عند هذه الأمة مقدرة على النهوض مرة أخرى ؟  .

 وهل تستطيع أن تجابه الدول الكـبرى ،  والنظـام العالمي الجديد ؟  .

 وهل إسرائيـل جـاءت لـتبقى ؟  وكيف السبيل إلى الخلاص منها ؟  .

 وهل التجزئــة مفروضة على هذه الأمة لا سبيل إلى الوحدة فيها أو الاتحاد ؟  .

 وهل سيعود الإسلام ليحكم في الأرض ليطهر الإنسانية التي تعاني من الشقاء الذي تعيش ؟

 وهل كل ذلك ممكن أن يكون والأمة لا تملك من الوسائل المادية ومن وسائل التدمير الذي يملكها عدوها ولا تملكه ؟   

وهل يمكن للمسلمين أن يتغلبوا على أمريكا وهي التي تملك القوة كلها وعلى أوروبا والغرب ؟  .

أما العلمانيون ومن تربوا في مدارس الغرب الفكرية ممن لا يعنيهم القرآن الكريم والحديث النبوي لا في قليل ولا في كثير ،  ولا يعنيهم تاريخ هذه الأمة الذي أشرق على الدنيا ذات يوم بنور الله ،  فبــدد الظلـم والظــلام ،  هؤلاء الناس رضوا بالحياة الدنيا وأطمأنوا بها ،  يدعـون الأمـة لترضى بالـذل وتقبـل بالهـوان ،  رسالتهم في الحيـاة أن يأكلــوا ويشربــوا ويتلـذذوا بأنـواع اللذة ولو عاشوا في ذل وهوان وعاشت أمتهم في الحضيض .  فجاء هذا الكتاب ليرد على هذه الأسئلـة جميعــا من خــلال كتاب الله وأحــاديث الرسول صلى الله عليـه وسلم ومن خلال تاريخ هذه الأمة حينما كانت صاحبة رسالة ،  ففتح الله لها الأرض وأزال على يديها الإمبراطوريات ،  هذه الإمبراطوريات التي يمثل واقعها في ذلك الحين قول شوقي رحمه الله  :

أتيت والناس فـوضى لا تمر بهم        إلا على صنم قد هــام في صـــنم

مسيـطر الفرس يبغي في رعيتـه       وقيـصر الروم من كــبر أصم عـم

يعـذبــان عبـاد الله فـي شبـه      ويذبحــان كما ضحـيــت بالغـــنم

والخلـق يفتـك أقــواهــم بأضعفهم      كالأســد بالبهم أو كالحــوت بالبلم

وهذا الكتاب يعطي اليائسين الأمل والمترددين اليقين والمتشائمين التفاؤل  .

 إن دور الإسلام قد بدأ يأتي من جديد وما فيه ليس استنتاجا علميا ولا فكريا وإنما هو فهم عقلي وفكري حسب قواعد الشريعة التي جاء بها القرآن والسنة النبوية والقواعد الشرعية التي استنبطها العلماء من الآيات والأحاديث .  هذا الكتاب نرجو الله أن يؤدي دوره في إيقاظ الغافلين والمترددين الذين لم يفهموا هذا الدين فحاربوه عن جهل وقاوموه من غير أن يعرفوه وكما يقول الفلاسفة :" من جهل شيئا عاداه "  .

وهذا الكتاب جزء من المعركة لمن يبحث عن الخلاص من مفكرين وأحزاب وساسة وحركات جهادية ومن كل الإتجاهات ممن يريدون لأمتهم الخلاص وهو قابل للنقاش لمن أراد .  وهذا الكتاب ليس كتاب تاريخ فلا يعنيني الدخول في التفاصيل ،  وإنما أخذت من تاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم ومضات إيمانيــة كيف أن الله ينقذ هذه الأمــة حينمــا تصل إلى حالــة اليأس وأن النصر لها يأتي في حالـة القنـوط بعد أن يظن كثـير من الناس أن الله قد تخلى عن هذه الأمة ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ) [ يوسف :  110 ] ..  وأخذت ومضات من حياة ومعارك الصحابة التي خاضوها فهدموا الإمبراطوريات الظالمة  .

 خرج جند الله من الجزيرة بهذا النور ،  نور القرآن ،  ونور الوحي ،  يطاردون الظلم والظلام ،  فأنتصروا وعم الضياء وكلما تخلوا عن حمل الرسالة عاد عدوهم فأنتصر عليهم كان ذلك في الحروب الصليبية وكان ذلك في حروب التتر وهو الآن ،  وكانوا كلما عادوا إلى الإسلام عاد لهم النصر ،  وفي هذا العصر بعدوا عن الإسلام فأصابهم الوهن فكان الذي كان من ذهاب دولة الإسلام وقيام دولة يهود وعاد الظلم والظلام مرة أخرى وبلغ الظــلام والظلم ذروتها في حروب الكفــار ضد المسلمين في كل مكان في الأرض الآن في الوقت الذي يتغنى فيــه الغرب الكافــر بحقــوق الإنســان .  وقد جئت بهذا الكتـاب لأبشر أمتي والعالم من بعد ذلك أن الإسلام قادم ،  إسلام لا شرك فيه ولا ربا ولا احتكار ولا مخدرات ولا مسكرات ولا علب ليل ولا هتك الأعراض باسم الفن ولا المتاجرة بجسم المرأة ولا عبودية إلا لله ،  وأن حضارة الغرب بدأت بالزوال موضحا ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في وسط هذا الظلام الدامس الذي بدأنا نخرج منــه ،  وبدأ النور يقوى شيئا فشيئا ،  ولما أحس الغرب الكافر بالخطر على ربيبته ( إسرائيل ) من الإسلام القـادم الذي سيتمثل في سقوط الحكم في مصر وهو ساقط لا محالة ،  وفي سقوط الحكم في الجزائر وهو ساقط لا محالة وفي غيرها من البلاد والشعوب الإسلامية ،  أسرعوا بوضع حل يحاولــون فيـه حل القضيــة الفلسطينيــة فهذا الحل يريدون فيه أن يثبتوا إسرائيل دولــة ،  فهو يسابق القدر ولن يسبق القدر ،  فإسرائيل إلى زوال واليهود في عذاب إلى يوم القيامة ( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيـامة من يسومهم سوء العـذاب ) [ الأعراف :  167 ] ..

وهذا الحل الممسوخ وما آلت إليه الأمة من حروب أهليــة وثورات إسلاميــة ،  كل ذلك سببه غيــاب الإسلام عن الساحة ،  فإذا أردنا أن نسرع بالخــلاص فليتنازل هؤلاء الحكام عن سلطانهم المزيف الذي يكرس التجزئة وليستجيبــوا لأمر الله في الوحدة والإتحاد ( وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) [ آل عمران :  103 ] ..  وإلا فإن القدر سيجرفهم وسيكونون أضحوكة التاريخ ،  ونقطا سوداء في تاريخ هذه الأمة المجيدة  .

نحن واثقون من النصر وأن النصر آت لا ريب فيه ،  وأرجو من الحركات الإسلامية التي تكلمت عنها في هذا الكتاب أن تأخذ الأمر بروح إيمانية ،  فالمسلم مرآة أخيه المسلم ،  قد أمرنا الله بالتناصح ،  فأنا لم أقصد التشهير ومعاذ الله أن يكون ذلك ،  فقد أعطيت كل حركة حقها وبينت ما تصورت أنه الخطأ في مسيرتها  .

 ولما أخذت الحضارة الغربية في الإنهيار بوجهيها الشيوعي والرأسمالي ،  فهي حضارة واحدة كالعملة الواحدة ذات وجهين ،  لما أخذت هذه الحضارة بالإنهيار وخصوصا بعد إنهيار الشيوعية والفكرة الإلحادية ،  وإنهيار نظرية التطور الحتمي للمادة والتاريخ ،  خرج علينا الوجه الآخر من الحضارة الغربية ( الرأسمالية ) بما يسمى بنظريــة ( النظــام العالـمي الجديد ) ،  فلا تعطي هذه النظرية أي حــل لمشاكل البشرية التي أشقتها ،  وإنمــا هي محاولــة لمنع انهيــار الرأسمالية بالحديد والنار كما فعلت الشيوعية من قبل ،  فأمريكا بما تملك من وسائل تدمير ومن قوة ضخمة ومن أموال تمتص بها دماء الشعوب ،  تحاول فرض هيمنتها وسيطرتها على شعوب الأرض ،  وهي تمثل الجندي الصارم الذي عليه أن يأمر فيطيعه أتباعه .  ولما كانت سنن الله في الكون لا تتغير ودولة الظلم والظلام لا بقاء لها حسب سنة الله في خلقه . .  لذلك فإن هذه الدولة لن تبقى  .

إن الله كان يهلك أمة من الأمم بخطيئة واحدة تصر عليها مثل قـوم لوط ،  وقــوم هود ،  وقوم صالح ،  وقوم شعيب وقوم نوح .  هذه الذنوب جميعا مجتمعة الآن في الحضارة الغربية ،  فإنهيارها حتمي وزوالها قادم .  فسنن الله لا تتخلف (والنظام العالمي الجديد) يجب أن يكون هو الإسلام . بل هو الإسلام كما أخبر بذلك القرآن والأحاديث النبوية ،  وستزول التجزئة وتنهار (الأنظمة) ونعود لقيادة العالم من جديد ،  لا بعرقنا ولا بعنصريتنا وإنما بنور الله الذي بين أيدينا ،  الذي يحرم التجزئة ،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :""  إذا بويع لإمامين فأقتلوا الآخر منهما  "" .  ليس في الإسلام إلا الطهر والراحة الأبدية والسعادة في الدنيا والمرحمة التي تحرم قتل الشعوب وأكل أموال الناس بالباطل وترد الإنسان عن الغواية وتهديه سواء السبيل  .

 ) والنظام العالمي الجديد ) ليس فيه من جديد ،  فالمفروض أن يأتي أصحاب النظرية بأفكـار جديدة وحلول جديدة لمشاكل الإنســان ،  تمنع عنه الشقاوة وتعطيه الراحة النفسية ،  فهو في النظام العالمي القديم يجري وهو يشرب ،  ويجري وهو نائم ويجري وهو يأكل ويجري ويجري ولا يدري لماذا يجري حتى إذا أعياه الجري سقط صريع جريه ،  تلاحقه الأقساط وتلهب ظهره سياط الفوائد ،  ويعصره الظلم الإجتماعي ،  فإذا كان الإنسان من اللون غير الأبيض زادت شقاوته وتضاعفت تعاسته ،  فالإنسان في حاجة إلى (نظام عالمي جديد  حقا .  وهذا لا يكون إلا في دين الله الممتد عبر آدم وعبر الأنبياء وعبر الكتب السماوية التي ختمها الله بالقــرآن ،  ولأنه الكتــاب الأخير حفظه الله من التغيير أو ( التبديل ) (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [ الحجر :  9 ] . .  والإسلام دين الله القديم ودين الله الجديد ودين الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها  .

 النظام الجديد المطلوب هو الذي يمنع الفوضى في علاقات الإنسان ،  علاقته بربه ،  وعلاقته بنفسه ،  وعلاقته بالناس وعلاقته بالدولــة ،  فليس لـه الحرية كمـا في ( النظـام العالـمي الجديد ؟! ) في أن يأكـل ما يشـاء أو أن يـشرب ما يشـاء أو أن يلبس ما يشـاء وأن يتصرف في المجتمع كالحيوان ،  لا قيود ولا حلال ولا حرام .. ( النظام العالمي الجديد ) كما تريده أمريكا هو تركيز لهذه المفاهيم ،  ( والنظام العالمي الجديد ) كما يريده الله ويريده المؤمنون والذي جاء على لسان الأنبياء لعلاج مشكلة الإنسان ،  أي إنسان ،   في جميع أنحاء الكرة الأرضية ،  لا تفريق في اللون ولا في الجنس ولا في اللغــة ولا في الجغرافيــة ،  فقد جاءت شريعــة الله لإشبــاع حاجـات الإنسان الغريزية بشكل منظم لا كبت ولا رهبانية ولا انفــلات ولا فوضويــة .  فالإنسان في حاجة إلى ( نظام عالمي جديد ) حقا ،  يرى الإنسان فيه التغيير في مأكله وملبسه وعلاقته بمجتمعه حتى تعيش الإنسانية في وئام ،  وهذا قادم بإذن الله بالإسلام الذي سينظم شؤون الدنيا  .

 والذي يقرأ الصحافة اليوم والمؤلفات الكثيرة التي تصدر هنا وهناك في الشرق والغرب ويستمع إلى وسائل الإعلام التي تخوف العالم من الأصولية أي (الإسلام) وكأن الإسلام بعبع يريد أن يفترس الإنسان ،  فهؤلاء الناس ( أعوان الشيطان ) الذين نرجو من الله لهم الهداية سواء كانوا من أصل إسلامي أو غير إسلامي ،  فالإسلام جاء لهدايــة البشر ،  فكيف يخوفون الناس من الأصولية ؟ وماذا تعني الأصولية ؟ . .  أيخافون أن يعبد الناس الله وحده ولا يشركون به شيئا ؟ أيخافون على الربا والربويين وإحتكار المحتكرين ؟ أيخافون على تحريم المخدرات وتحريم المسكرات ؟  أيخافون على ترف الحكام المارقين وفسوق بعض الأثرياء المنحرفين ؟  أيخافون أن يشبع الجائع وأن ينكسي العاري وأن يطمئن الخائف ؟  أيخافون أن يقف واحد من الناس فيقول لحاكم مثل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين :" اتق الله يا عمر " ؟ . . أيخافون من قول الرسول صلى الله عليه وسلم :""  من ترك مالا فله ولورثته ،  ومن ترك دينا فعلي وإلي  "" ،  لماذا يخافون من الأصولية وكثير منهم لم يعرف القرآن ولا اطلع على أحاديث رسول الله ولا قــواعد الإسلام ،  ومنهم من لم يقرأ كتابا إسلاميا في حياته ومنهم من يقرأه فيخاف على فكره القديم فيصر على ضلاله خوفا من أن يقال أنه كان على خطأ .  إن الذي يحدث اليوم في الجزائر وفي مصر وفي بقية العالم الإسلامي ومنهم العرب هو إصرار من الشيطان وأعوان الشيطان على مقاومة القرآن وتحدي لله ،  وعلى العمل لبقاء الجوع في مصر والجوع في الجزائر والجوع في غير مصر والجزائر من بلاد المسلمين ،  مع أن الله قد أعطانا الآن مثلا حيا على ( النظام الإسلامي ) في السودان ،  التي حينما طبقت الإسلام شبعت بعد جوع ،  وأنكست بعد عري وأطمأنت بعد خوف وهي تسير من نصر إلى نصر تحطم الوثنية والصليبية  .

 إن الذين يقاومون الصحوة الإسلامية اليوم يصبون في مصلحة بقاء إسرائيل دولة ،  لأن الذي يرفض بقاء إسرائيل دولة هو الإسلام مهما حاول علماء السلاطين والحكام المتمسحون بالإسلام أن يقولوا غير ذلك .  هيا إلى النظام العالمي الإسلامي الجديدوالقديم قدم الدهر والجديد ما دام الدهر ننقذ به أنفسنا وننقذ به البشرية ونقضي على دولة يهود  .

 وحسبي أني قصدت بهذا الكتاب وجه الله محاولا كشف الغشاوة عن العيون والرين عن القلوب ،  العيون التي أصابها العمى فلم تعد ترى النور وأختلط عليها الأمر وأضطربت السبل وأصبح صاحبهــا كحاطب ليــل ،  لا يهتدي إلى طريق ولا يعرف السبيل إلى الخلاص ،  الخلاص بين أيدينــا والهدايــة بين أظهرنا في كتاب لا يضل ولا ينسى  .

 لقد حاول المحاولون خلال هذا القرن والقرن الذي سبقه السير في كل الطرق التي يظنون بها الخلاص ووصلوا إلى باب مسدود فصدمتهم الحقيقة وبدأ يفيق كثير منهم على أن لا خلاص لهذه الأمة إلا بما إهتدت به أول مرة وهو الإسلام . . 

 والسلام على من اتبع الهدى  .

                                                                         المؤلف
   أسعد بيوض التميمي 

 

الغيب في المعركة والتغيير الكوني

 الغيب 

 هو ما لا يقع تحت الحواس الخمس ،  لا تراه بعينك ولا تسمعه بأذنك ،  ولا تحسه بيدك ،  ولا تشمه بأنفك ،  ولا تذوقه بلسانك ،  لكنه موجود ملموس بأثره ،  مرئي من خلال خلقه ،  مسموع من خلال كلامه ،  معروف من خلال مخلوقاته ،  متصل بخلقه من خلال كتبه وأنبيائه  . 

والغيب هنا هو الإيمان بوجود الله جل جلاله ،  الذي لا يؤمن الإنسان إلا إذا آمن به ( ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) [ البقرة :  1 - 3 ] ..  وإن كانت كلمة ( الغيب ) تشمل أكثر من ذلك من مخلوقات الله ، فالجنة غيب ،  والنار غيب ،  والبعث غيب ،  والحساب غيب ،  والصراط غيب ،  وخلود المؤمنين في الجنة غيب ،  وخلود الكفار في النار غيب ،  والملائكة غيب ،  والجن غيب وعذاب القبر غيب  .

 الـغيب الـذي نؤمـن به هـو مـا جـاء فـي الـقرآن أو الـحديث الصحيح ،  ولكن الغيب الذي نحن بصدده وليس هناك إيمان بدونه ،  هو الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى أو كما جاء في الحديث الصحيح ""  أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ،  والقدر خيره وشره من الله تعالى  ""  كما ورد في البخاري  .

 وتاريخ البشرية منذ خلق آدم وما جرى بينه وبين إبليس في الجنة ،  بعد أن أغواه إبليس فأنزله الله إلى الأرض عقوبة له على مخالفة أمره ،  والمعركة دائرة بين خط الله المتمثل بأنبياء الله ورسله وكتبه ،  وبين إبليس وأعوانه من شياطين الإنس والجن والذين يمثلون هذا الخط ( خط إبليس ) هم الذين لا يعبدون الله ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر  .

فالمعركة معركة النبوة مع أعداء الله ،  وهذا التاريخ الحقيقي لبني البشر وليس كما يقول الماديون والعلمانيون الذين كانوا يمثلهم الفكر الإلحادي الشيوعي ،  والذي إنهار قبل إنهيار الاتحاد السوفياتي والحزب الشيوعي ،  والذي كان يمثل أكبر فلسفة كاذبة خادعة في تاريخ البشرية  . والذي سيلحق به بإذن الله الفكر الرأسمالي العلماني ،  الذي يفصل الدين عن الحياة ،  ليعيش الإنسان في بهيميه حمقاء ،  وفي تفسخ ورذيلة وفي عناء وشقاء  .

 إن هذا الغيب الذي يعنينا في هذا الكتاب ،  والذي لا نريد به كتابا يضاف إلى المكتبة الإسلامية فقط ،  ولكن يراد به أن يأخذ من القرآن والسنة (الغيب) ،  ما يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم نصرا موعودا ومجدا مأمولا ليضاف إلى مجدهم السالف ،  وليظهره الله على الدين كله ولو كره المشركون ولو كره الكافرون  .

فهذه الدنيـا لا تعيش هملا ولا تحيا انفلاتا ،  وإنما قعد الله لها القواعد في الكون والإنسان والحياة ،  فإذا سارت على هدى من اللـه أمنـت وعاشـت في ظـل رحمـة الله ،  تعبد الله بأمن وطمأنينة ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) [ الذاريات : 56 ] ،  وإذا انحرفت عن خط سـيرها الإلهي اضطربت وأرتبكت وعاقبها الله بإحدى سننـه الموجـودة فـي الكون ،  وبأسـلحتـه التي لا تحصى ولا تعد ( الأمراض ، الأعاصير ، الحرائق ، الزلازل ، الفيضانات ، الحروب الأهلية . . . الخ )  .

 فنحن أمة أوجدها القرآن .  فيه كلام الله في الحياة والكون والإنسان ، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي جزء من الوحي تفصل وتبين وتوضح ما أجمل من أحكام القرآن ،  فالقرآن هو الوحي المتلو ،  والسنة هي الوحي الغير المتلو ،  في حديث مسلم ""  أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر ذات يوم من الفجر حتى الظهر ومن الظهر حتى العصر ومن العصر حتى المغرب - قال راوي الحديث الحذيفة بن اليمان - وبدأ بنا يحدثنا صلى الله عليه وسلم كيف بدأ الله خلق الخلق ،  ثم سار بنا حتى أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، وما من فتنة حتى قيام الساعة إلا وحدثنا عنها ،  فحفظ من حفظ ونسي من نسي وأعلمنا أحفظنا ""  .

 ولذلك نجد في كتب السير والأحاديث وفي باب الفتن وفي علامات الساعة هذا الصحابي يروي هذه الحادثة عن علامات الساعة ،  وأخر يروي حادثة أخرى من علامات الساعة وهكذا كل صحابي يروي بما حفظ من علامات الساعة  .

 والذي يعنينا من الغيب الآن أمرين اثنين  :

   أولا  :   حتمية نصر الإسلام بعد هذه الإنتكاسة الكبرى التي لحقت بالمسلمين في هذا القرن والقرنين الذي قبله  .

   ثانيا  :   حتمية زوال دولة إسرائيل ،  التي هي القضية المركزية في حياة المسلمين الآن  . 

 الغيب في حياة الرسول الكريم
( صلى الله عليه وسلم)

-   الغيب في العهد المكي  :

 وحينما نتحدث عن الغيب ، نعني به ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة ،  ونرفض ( الدجل ،  والكذب ، والتنجيم  والإستعانة بالشياطين ) ..  حيث أن هذا الدين من أول يوم بعث فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن لقي ربه ،  كانت حياته معتمدة على الغيب ،  أي معتمدة على الله وحماية الله ونصر الله له  .

فحينما نزل عليه الوحي في مكة ( في غار حراء ) وجاءه جبريل ،  وكان قد فر بنفسه من حياة مكة الوثنية بكل ما تحويه من آثام وإنحرافات أشقت الإنسان ،  وقد كان الله سبحانه وتعالى قد هيــأه صلى الله عليه وسلم لحمل هذه الرسالـة ،  فلم يسجد لصـنم قط ،  لم ولم يرتكب محرما قط ،  وكان يفر بنفسه للغار للتفكر في خلق السماوات والأرض .  فينزل علي،ه جبريل ،  فيضمه إليـه ويقول له : " إقرأ " ،  وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أميا لا يقــرأ ولا يكتب ،  قال : ""مـا أنا بقــارىء"" ، فيضمه إليـه مــرة أخــرى فيقول :" إقرأ " ،  فيقول :"" ما أنا بقارىْء ""،  فيضمه الثالثــة ويقــول له : " إقرأ " ،  فيقـول :""  ما أنا بقارىء ""،  ثم يقــول لــه :  ( إٌقــرأ باسم ربــك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * إقــرأ وربـك الأكــرم * الـذي علــم بالقلم * علم الإنسـان مالـم يعلـم ) [ العلق : 1 - 5 ] ..  فيعود الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيته عند زوجته خديجة مضطربا خائفا ،  فيطمئنه عمها ورقة بن نوفل ،  وكان من أهل الكتاب ولم يكن وثنيا ،  فيقول له :  هذا الناموس الذي أنزل على موسى عليه السلام  .

 وهنــا يبرز الغيب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ،  يسير معه خطوة فخطوة ،  ويأمره ربه بأن ينذر عشيرته الأقربين بأنه رسول رب العالمين ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء : 214]  ..  فيقف على الصفا وينادي أفخاذ قريش من عبد مناف وعبد المطلب وبني هـاشم ،  وكان الرسول معروفـا لديهم بالأمـانة والصدق ،  فيقول لهم صلى الله عليه وسلم :"لو أخبرتكم بأن خيلا في بطن هذا الوادي تريد مكة أومصدقي أنتم ؟ قالوا : نعم ،  ما عهدنا عليك كذبا" ،  فقال صلى الله عليه وسلم :"إني رسول الله إليكم وإلى الناس كافة" ..  فيكذبه قومه  .

 وتستمر المعركة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة ثلاث عشرة سنة ذاق الرسول والذين آمنوا معه الأمرين ،  عذاب وضرب وإهانة ،  ولكنه كان واثقا من النصر ،  لأنه رسول رب العالمين ،  وهذا العذاب الذي ذاقه في مكة هو وأصحابه درس للمؤمنين من بعده ،  والدعاة من خلفه ،  إنه إذا كان الرسول قد عذب ،  فما لكم لا تعذبون ؟ ،  وقد صبر فلماذا لا تصبرون ؟ ،  ولقد إنتصر فلماذا لا تنتصرون ؟ ،  فالذي نصر محمدا هو الله ،  والذي ينصركم هو الله  .

 وتغلق مكة أسماعها وتتجمد قلوبها إلا قليلا من السادة وكثيرا من العبيد والمستضعفين ،  الذين فروا من العذاب إلى الحبشة مرتين ،  ليعبدوا الله في هدوء وطمأنينة ،  ويخرج الرسول إلى الطائف لعل أهلها يسلمون ،  فيجتمع مع سادة ثقيف عبد ياليل وأخوانه ،  فيرفضون الإسلام ،  فيقول : "" اكتموا عني - أي لا تخبروا الناس - أني قد جئتكم "" ،  ولكنه الكفر دائما ، وأنى للكفر أن يصدق في عهد أو ميثاق  .  فيسلطون عليه صبيانهم ومجانينهم يلاحقونــه ويقذفونـه بالحجــارة فينزل الـدم من رجليه الشريفتين صلى الله عليــه وسلم حتى أوى إلى حائط عتبــة بن ربيعــة أحد سادة قريش  .

 فينــادي ربه بهذا الــنداء الجميــل :""  اللهم إني أشكـو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ،  يا أرحم الراحمين ،  أنت رب المستضعفين ،  أنت ربي إلى من تكلني ،  إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ،  أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو أن ينزل علي سخطك ،  إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله  ""  .

 وهنا يعمل الغيب ،  فينزل جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال فيقول له :  " لو أمرتني لأطبقت عليهم الاخشبين " - يعني جبلي مكة - ،  فيجيبه صلى الله عليه وسلم :"" أللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون ""  .

 وفي السنة العاشرة من البعثة ،  يقع الرسول صلى الله عليه وسلم في إمتحان عسير إذ يموت عمه "أبو طالب" الذي كان يحميه ،  وزوجته "خديجة" التي كان يركن إليها فيرى فيها السكون والهدوء والراحـة ،  فتخفف من آلامه ،  فيرحم الله نبيه فيسري عنه فتكون حادثة الإسراء من مكة إلى القدس ،  لتصبح القدس وفلسطين وبلاد الشام جزءا من عقيدة المسلمين ،  فيحيي الله له الأنبيـاء ويؤمهم في القدس ( المسجد الأقصى ) ،  وهذه بيعة منهم إليه بأن دينه هو خاتم الأديان التي سينقذ البشرية إلى يوم القيامة ،  ويعرج به من القدس إلى السماء ،  فيرى من آيات ربه الكبرى ،  ( ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى *  عندها جنة المأوى *  إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) [ النجم : 13 - 18 ]  .

 ويضطرب المجتمع في مكة ،  ويرتد بعض من آمن حديثا حينما أخبرهم الرسول بأنه ذهب إلى القدس ،  وأنه صعد إلى السماء في ليلته هذه ،  وها هو بينهم ،  ( وهؤلاء المرتدون من البشر ) والبشر غير المؤمنين لا يفكرون إلا تفكيرا ماديا يربطون الأسباب بالمسببات ،  ولكن لله في خلقه خطا آخر ،  فهو الذي أمر بربط الأسباب بالمسببات ،  فالنار تحرق ،  والسكين تقطع .  وفي دعوته لهداية البشر يرسل الرسل ويأتي على أيديهم بمعجزات لا يربط فيها الأسبـاب بالمسببات ،  فإبراهيم عليه السلام يلقى في النـار فلا يحـترق ،  والسكـين لا تقطع رقبة إسماعيل عليه السلام ،  وعصا موسى عليه السلام تلقف ما يأتي به سحرة فرعون ،  وعصا موسى عليه السلام تفلق البحر إلى إثني عشر طريقا ،  وعيسى عليه السلام يحي الموتى بإذن الله ،  ويبرىء الأكمه والأبرص بإذن الله . .  وهكذا كل الأنبياء لهم معجزات خاصة بهم تناسب أمتهم وزمانهم  . 

فالمعجزة بالنسبة للأنبياء أمر خارق للعادة يأتي على يدي نبي على سبيل التحدي لقومه ،  ليعجزهم أن يأتوا بمثلها ،  ومن هذه المعجزات معجــزة الإســراء والمعراج ، وبما أن محمدا صلى الله عليـه وسلم الرسول الأخير والخاتم ،  فمعجزته في الإسراء والمعراج كانت معجزة في عهدها ،  وهي الآن معجزة في عصر الصواريخ والسفن الفضائية ،  فمهما أكتشف العلماء من سنن الله في الكون في علم الفضاء والصواريخ ،  والمركبات الفضائية ،  فهي لا تصل ولن تصل إلى معجزة الله في نقل محمد صلى الله عليه وسلم إلى القدس وصعوده إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى ..  فالبشر يستعملون الطاقة بأشكالها ،  ومحمد حمله البراق وصعد به المعراج بغير الطاقة  .

 وهنـاك الكرامة ،  وهي أمر خارق للعادة تأتي على يد ولي من أولياء الله لا على سبيل التحدي لقومة ،  ولكن على سبيل إكرام الله له ،  كما حصل مع أبي مسلم الخولاني ،  الذي ذهب إلى اليمن في عهد رسول الله صلى الله عليـه وسلم وكان الأسود العنسي في الـيمن قد إدعى الـنبوة مع من إدعى النبوة من المرتدين العرب ، فأستدعــاه الأسـود العنسي وقال له : " هل تشهد أن محمدا رسول الله ؟ " ،  قال أبو مسلم :" نعم " ، قال الأسود :" هل تشهد أني رسول الله ؟ " ، قال أبو مسلم :" لا أسمع " . فأمر الأسود العنسي بإيقاد نار فقذفه فيها ،  فلما خمدت النيران وجدوه يصلي في داخلها ..  كرامة له ومعجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم ،  إذ لولا إيمانه بالله وبمحمـد رسـول الله صلى الله عليــه وسلم لمـا نجى من النار ،  فلما رجع أبو مسلم إلى المدينة وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي وتولى الخلافة أبو بكر الصديق ،  فأجلسه عمر بن الخطاب بينه وبين أبي بكر وقال :" الحمد لله الذي جعل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقذف في النار فلا يحرق كإبراهيم عليه السلام "  .

الغيب في الهجرة  :

 ولما استعصت مكة على الهداية كان لا بد للدعوة من أن تنطلق ،  فأذن الله لنبيه بالهجرة ، بعد أن إستجابت المدينة إليه في موسمين من مواسم الحج ، وبعد أن هيأها مصعب بن عمير - رضي الله عنه - ،  وكان الرسول صلى الله عليه سلم قد أرسله معلما إلى المدينة ،  ولما رجع إليه قال :  " يا رسول الله ،  لم أتـرك بيتا في المدينة إلا وذكر فيه الإسلام " ،  فيأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة ،  وكانت قريش قد قررت إغتياله بشكل جماعي حتى يتفرق دمه بين القبائل فلا تستطيع بنو هاشم محاربة ومقاتلة قريش كلها  .

 ويبدأ الغيب يعمــل ،  فيخرج الرسول عليــه السلام من بيتــه وهـم نيــام فيضع الــتراب على رؤوسهـم وهو يتلـو قـول الله تعالى ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) [ يس : 9 ] ..  وينــام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في فراشه تضليـلا لقريش ويختبىء هو وأبو بكر في غار ثور ،  وتعلن قريش مكافئة مائة من الإبل لمن يأتي بالرسول حيـا أو ميتا .  ويعمل الغيب مرة أخرى ،  فتصل قريش إلى باب الغار غار ثور فيضطرب أبو بكر خوفا على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول :  يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا ،  فيجيب الرســول صلى الله عليــه وسلم إجابة الواثــق بحمــاية الله لـه :"" يا أبا بكر ،  ما ظنك باثنين الله ثالثهما  "" ،  ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ) [ التوبة :  40 ] ..  ويسير الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في رعاية الله ويمرون في الطريق على أم معبد ،  إمرأة من العرب تعيش ضنك العيش ،  وعندها شاة لا تقوى على القيام لهزلها وضعفها ،  فيقول لها الرسول صلى الله عليه وسلم :""  هل عندك من لبن تسقيه لنا  "" ،  فأخبرته أن زوجها يرعى الغنم بعيدا وأنه لا يوجد عندها غير هذه الشاة الضعيفة التي لا تقوى على الحراك ،  فيمسها الرسول صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة ويمس ضرعها فتفيض حليبا فتحلب أم معبد لهم فيشرب ثلاثتهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والدليل ،  فلما رجع زوجهـا إلى البيت وأخـبرته الخبر بأنه مر بنــا رجل مبــارك وقصت عليه قصتها معه .  فقال لها :  لعل هذا صاحب قريش الذي تبحث عنه  .

 ويلحق سراقة بن مالك بالرسول صلى الله عليه وسلم لعله يقبض على الرسول فيفوز بالمائة من الإبل التي أعلنتها قريش لمن يأتي بالرسول حيا أو ميتا ،  وهنا يظهر الغيب الذي لم يتخل عن رسول الله لحظة واحدة فتكبو في سراقة بن مالك فرسه مرة ومرة ومرة ، فيلتفت الرسول صلى الله عليه وسلم إليه ويقول :"" إرجع يا سراقة ولك سوارا كسرى  "" ، وأظنه عاد ولسان حاله يقول :" أي رجل هذا من قريش الذي سيأخذ سواري كسرى "  ،  ويرجع سراقة وهو متعجب من هذا الوعد ،  ولعله يقول في نفسه :" لعلها ضربة شمس أصابت الرجل "..  وتمضي الأيام فإذا سعد بن أبي وقاص في إيوان كسرى ،  وإذ هو يصلي ثمان ركعات بتسليمة واحدة ،  صلاة النصر ، لم يلتفت للقصر وما فيه من زخارف وأثاث ورياش تأخذ بألباب أي إنسان ، وكانت من بينها سجادة مرسوم عليها بلاد فارس بخيوط من الذهب والفضة وجبالها من الجواهر، ولما وصلت السجادة إلى عمر في المدينة قسمها بين الصحابة ،  فباع علي - كرم الله وجهه - حصتـه منهـا بعشرين ألـف دينـار ذهب ،  وليست حصته بأجودها .  لم يلتفت سعد وجنده إلى هذا كله ،  لأن الإيمان قد عمر قلـوبهم ،  لأنهم يعلمـون أن الـنصر من عند الله وإنما هم من جند الله ،  فلما وصلت الغنائم إلى عمر بن الخطاب في المدينة ومنها جواهر كسرى ومن ضمنها الأساور فينادي عمر سراقة بن مالك فيقول له : " خذ سواري كسرى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "  .

 وهكذا حينما كنا نخبر بأن الكرملين سينهار وتنهار معه الدولة الالحادية والحزب الشيوعي ، وقد كنا نبشر بهذا الإنهيار قبل وقوعه استنادا إلى الغيب والوحي في قوله تعالى (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) [التوبة : 33] وغيرها من الآيات والأحاديث ، وكان بعض الناس حينما يسمعون ذلك يسمعونه بإستخفاف وإزدراء ولا يتصورون دولة عظمى تملك من وسائل التدمير الكبير يمكن أن تنهار وأن يلحقها البوار ،  وهؤلاء الناس لا يؤمنون بالغيب وإنما تفكيرهم تفكير ترابي .  وهكذا حينما نقول اليوم بأن أمريكا سيلحقها البوار والإنهيار والتفسخ عقوبة من الله لها لا يقبلونه ولا يتصورونه أيضا ،  بالرغم من أن البوادر والإرهاصات لـهذا الأمر قــد بدأت تبشر بتفكك دولة أمريكا (العظمى) ،  وهؤلاء النـاس يفكرون تفكـيرا ترابيـا لا يؤمنـون بالغيب وصدق الله سبحانه وتعالى فيهم ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فأنسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها - ينظر إلى الأمور نظرة ربانية علوية - ولكنه أخلد إلى الأرض - فأخذ يبحث عن الأسباب والمسببات الدنيونيــة فقط - وأتبع هـواه فمثله كمثــل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث -يناقشون الأمور بصلف وتكبر وعمى- ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فأقصـص القصص لعلهم يتفكرون ) [ الأعراف : 175 - 176 ]  .

  الغيب في العهد المدني

 -   الغيب في غزوة بدر  :

 ويستمر الغيب في تحقيق النصر للمسلمين فتكون بدر الكبرى ،  حيث إلتقت قوى غير متكافئة لا عددا ولاعدة في ساحة المعركة ،  فجيش المشركين ما بين التسعمائة والألف ومعهم سبعون فرسا - والفرس في المعركة في ذلك الحين لها فعل عظيم - وبين جيش المسلمين البالغ ثلاثمائة ونيف ومعهم فرسان .  وقد خرجت قريش بأسلحتها الكاملــة لأنها أرادت أن تثبت موجوديتهــا في الحجاز ،  وتدافع عن زعامتها في العرب كلها ،  وفي المقابل خرج الرسول صلى الله عليه وسلم لا يريد المعركة ولا الحرب ،  وإنما يريد الأموال والغنيمة ،  ولكن القافلة التي أراد أن يتعرض لها فر بها أبو سفيان وأوصلها مكة سالمة ،  ومع هذا فقد أصرت قريش وخصوصا أبا جهل ( عمرو بن هشام ) على مواجهة التحدي والإستمرار في محاولة تثبيت الهيبة وتثبيت الزعامة ،  ولما فرضت المعركة على الرسول قبلها ،  فالتقى الجيشان على أرض بدر ،  وهي أرض تبعد عن المدينة حوالي مائة وخمسين كيلومترا ،  وبنى المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا ،  يشرف منه على المعركة ،  فلما بدأت المعركــة أخذ يناجي ربه ويقول :""ربي نصرك الذي وعدتني ، ربي أنجز لي ما وعدت ، ربي إن تهلك هذه العصابة لا تعبد"" ، ويرفع يديه مستغيثا حتى بان بياض أبطيه،  فأشفــق عليه أبو بكر - رضي الله عنه - وكان معه في العريش فقال :  يا رسول الله بعض مناجاتك لربك والله لن يخذلك أبدا ،  وتأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم إغفاءة ،  فيرى مصارع القوم ،  فأخذ حفنــة من الحصى ورماها بوجوه القوم وقال :"" شاهت الوجوه "" فلم يبق مشرك من جيش قريش إلا ودخلت الحصى في عينيه (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [الأنفال :17] ..  وتنزل الملائكة ويقول بعض الصحابة :  كنت أضرب المشرك فأرى رأسه يقع قبل أن يصل سيفي إلى رقبته  .

 ويروي شيخ المؤرخين الطبري عن رجل شهد المعركة ،  وكان مشركا قال كنت وأبن عم لي في ساحة المعركة ،  ولا إرب لنا فيها ،  فصعدنا إلى جبل ننتظر أن تنتهي المعركة فننتهب من الغنيمة أيا كان المنتصر ،  وبينما نحن على سفح الجبل إذ أقبلت غمامة سوداء في وسطها حمحمة - صوت الخيل - وإذا صوت فيها يقول أقدم حيزوم ،  فخلع قلب ابن عمي لساعته فمات ،  وتماسكت أنا فلمـا انتهت المعركة ،  نزلت فأخبرت الرسـول صلى الله عليـه وسلم  بذلك ، فقال :""  هذا جبريل وسط الملائكة ، وحيزوم فرسه التي كان يركبها  "" .

 وتنتهي المعركة بهزيمة لقريش وقتل سادتها وقادتها ،  ويسجل الله ذلك في كتابه ( إذ تستغيثون ربكم فأستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكـم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ) [ الأنفال : 9 - 10 ]  .

 ولـقد حارب الكون كله مع رسول الله ،  المطر ،  الأرض،  النعاس ليقوى الجند على المعركة،  وتمضي الآيات لتصف تدخل الغيب : ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام * إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فأضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بنان ) [ الأنفال : 11 - 12 ]  ..  وتنتهي معركة بدر الكبرى ،  والتي لو هزم المسلمون فيها لما بقي إسلام في الأرض ،  ولكن النصر فيها كان مفتاح النصر الكبير للإسلام عبر القرون ولأن يدخل الناس في دين الله أفواجا  .

-   الغيب في غزوة أحد  :

 ويستمر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في المعركة مع الشرك ،  وتأتي بعد بدر أحد ،  ليعلم الله المسلمين أن مخالفة أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم معصية ،  وأن لا نصر مع المعصية ،  درس من الله يجب أن يستفيد المسلمون منه عبر التاريخ ..  وفي أيامنا هذه فما كان الله لينصر المسلمين بعقيدة البعث ،  أو الشيوعية ،  أو العلمانية ،  أو الاشتراكية ، أو الماسونية أو القومية المجردة عن الإسلام  .

 وكان رسول الله في أحد قد رتب الجيش ،  فوضع فئة من الجيش تحمي ظهر المسلمين ،  وأمرهم الرسول أن لا يغادروا أماكنهم سواء إنتصر المسلمون أو إنهزموا ،  وفي بدء المعركة كانت الغلبة للمسلمين ،  فطمعت بعض هذه الفئة في الغنيمة ،  فتركت مواقعهــا لتشــارك في جمع الغنيمــة ،  فأغتنم خالـد بن الولـيد - وكان حينئذ مشركا - الفرصة ،  فهجم على المسلمين في منطقة انكشــاف ظهرهم ،  وأضطرب جيش المسلمين ووقــع الرسول صلى الله عليــه وسلم في الحفرة ،  ودخل المغفر ( الحلقة ) في جبينــه ،  وأشيع أن رسول الله قد استشهد ،  وكانت هناك دروس وعبر ،  والنصف الأخير من سورة آل عمران يصف هذه المعركــة والنتـائــج المترتبــة عليها  ،  ويعلم الله المسلمين أن رسوله بشر ،  لا يموت الإسلام بموته ولا بذهابه ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) [ آل عمران : 144 ]  .

 ويفصل الله ذلك في كتابه (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) [آل عمران : 123-126]  .

 وكان النبي صلى الله عليــه وسلم حينما وقـع في الحفرة ودخل المغفر في جبينه قال :"" كيـف يفلح قوم أسالوا دم نبيهم ؟ "" فيجيبه الله ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ) [ آل عمران : 128 ] ،  ويقف أبو سفيان بعد انتهاء المعركة وقد إستشهد من المسلمين سبعون من بينهم أسد الله ورسوله حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ومصعب بن عمير معلم الإسلام الأول في المدينة ، فيقول أبو سفيان : "يوم بيوم ،  يوم أحد بيوم بدر " ويقول :" إعل هبل "ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بأن يجيبه :"" بل الله أعلى وأجل ، قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة  ""  .

 وتكون أحد درسا لكل المسلمين عبر التاريخ ،   ودعوة للمقاتلين في سبيل الله ألا يخالفوا أمر الله ولا أمر رسوله ،  وأن يعتقدوا جازمين بأن النصر بيد الله (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) [ الحجرات : 15 ]  .

 وتستمر المناوشات بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  ولما حدثت معركة أحد وأصيب فيها المسلمون أطمع ذلك يهود ، وظنوا أن المسلمين ضعفوا ،  فتحرك شيطانهم الماكر في المدينة ، فقـرروا التحريض على رسـول الله ، فذهب وفد من يهود إلى مكة ، يحرضون على قتال رسول الله ، وتسألهم قريش بصفتكم أهل الكتاب الأول : أديننا خير أم دين محمد ؟ فيقولون لهم بخبث يهود ومكر يهود وغدر يهود وكذب يهود :  بل دينكم خير من دين محمد ،  ويسجل الله هذا الأمر في كتابه الكريم (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا * أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) [النساْء : 51-53 ]  .

 -   الغيب في غزوة الأحزاب  :

 وتتهيأ قريش بعد أن عقدت معاهدة مع يهود لغزو المدينة من جديد ،  وتتحرك قريش ب عشرة آلاف مقاتل ،  جيش لم تشهده الجزيرة العربية من قبل ،  وينضم إليهم ألاف من الأعراب في الطريق  .

 ويصل الخبر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ،  فيأخذ بالأسباب المادية التي لا بد منها لطمأنة النفس البشرية فقط لأن الـنصر من عند الله ،  فيشير عليه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بأن يحفر الخندق حول المدينة ،  وقال : " كنا في فارس إذا هوجمنا خندقنا " .. ثم بعد ذلك يبدأ الغيب في العمل ،  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قسم حفر الخندق بين أصحابه ، فأعترضت صخرة في الخندق في القسم الذي كان يعمل به حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي - رضي الله عنهما -  ،  ولم يستطيعوا مع الصخرة عملا ،  فخرجوا إلى رسول الله يستشيرونه ماذا يفعلون ،  فنزل صلى الله عليه وسلم الخندق ،  وأخذ المعول بيده ،  فضرب الصخرة أول ضربة فخرج منهــا شرر أضــاء ما بين لابتي المدينة ( أطراف المدينة ) ،  فكبر الرسول وكبر أصحابه بتكبيره وأنفلق ثلث الصخرة ،  وضرب الصخرة الضربة الثانية ،  فخرج منها شرر أضاء ما بين لابتي المدينة ،  فكبر الرسول وكبر أصحابه بتكبيرة وأنفلق الثلث الثاني من الصخرة ،  وضرب الصخرة الضربة الثالثة فأنتهت الصخرة ،  وخرج منها شرر أضاء ما بين لابتي المدينة ،  فكبر الرسول وكبر أصحابه بتكبيره ،  ولما خرج الرسـول صلى الله عليـه وسلم من الخندق سأله حذيفة بن اليمـان عن الشرر الذي كان يخرج وعن التكبير الذي كان يكبره  .

 فقال صلى الله عليه وسلم :"أرأيتم ما رأى حذيفة ؟ " ، قالوا : "نعم"،  فقال رسول الله صلى عليه وسلم :""  أما الضربة الأولى فقد أضاءت لي منها قصور الحيرة بأرض فارس فأخبرني جبريل بأن أمتي ظاهرة عليها ، وأما الضربة الثانية فقد أضاءت لي منها قصور الحمر بأرض الروم فأخبرني جـبريـل بأن أمــتي ظاهـرة عليهـا ، وأما الضربة الثالثة فقد أضـاءت لي منها قصــور صنعاء اليمن ،  كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبريل بأن أمتي ظاهرة عليها ، فأبشروا يبلغهم الفتح وأبشروا يبلغهم الفتح وأبشروا يبلغهم الفتح "" . فقال المسلمون : يعدنا النصر بعد الحصر وأما المنافقون فقالوا (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) [ الأحزاب : 12 ]  .

 ويتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أسبابا مادية فيها الدهــاء ،  فيوقـع بين يهود وقريش ،  في مهمة قام بها نعيم بن مسعـود - رضي الله عنه - ،  وكان غير معروف الإسـلام حـتى ذلك الحين ،  فقــال لــه رســول الله صلى الله عليـه وسلم :"" ثبط عنا يا نعيم "" ،  فذهب إلى قريش يخبرهم بأن يهود قد ندموا على حرب محمد ويريدون أن يأخذوا منكم رهائن يقدمونها لمحمد كبادرة حسن نية ،  وذهب إلى يهود وقال لهم : قريش ستترككم وندمت على حرب محمد فأطلبوا من قريش رهائن حتى لا يتركوكم . وهكذا وقع الخلاف بين المشركين ويهود  .

 ويتدخل الغيب مرة أخرى ،  وهو لم ينقطع عن التدخل ،  ففي إحدى الليالي قال رسول الله صلى عليه وسلم :""  من يأتني بخبر القوم ويكون رفيقي في الجنة  "" ،  فلم يتحرك أحد من الصحابة ، لهول الموقف وشدته ،  عند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :""  قم يا حذيفة بن اليمان ،  فأتني بخبر القوم ولا تحدث أمرا حتى ترجع  "" فكان هذا تكليف من القائد ،  قال حذيفة :"  ذهبت وكانت الليلة شديدة البرودة ،  لكني كنت أتصبب عرقا ،  ووجدت أن الريــح قد بدأت تعمل عملها وتحارب إلى جانب المسلمين ،  فتكفت القدور ،  وتهدم الخيم وتزمجر ،  فقال أبو سفيان قائد الحملة ،  ليتعرف كل واحد منكم على صاحبه الذي بجانبه ،  وبدأت بصاحبي :  " من أنت ؟ " ،  خوفا من أن يسألني ،  وكنت أستطـيع أن أضرب أبا سفيــان بسهم ،  لكـني تذكرت قــول الـرسول صلى الله عليه وسلم " لا تحدث أمرا حتى ترجع " ،  وعند ذلك وقف أبو سفيان فوق ناقته وقال :" لم تعد الدار دار مقام ،  وإني راحل فأرحلوا "  وهكذا رد الله قريشا على أعقابها خاسرة ،  وأبطل مكيدة يهود  .

 وقد انتقم الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود بعد ذلك ،  فقتل رجالهم ويسجل الله ذلك في كتابه ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود - يهود وقريش والأعراب - فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها - الريح :  محسوسة ،  فما الجنود التي لم يرها الناس !؟ ، لعلهم الملائكة - وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) [ الأحزاب : 9 - 12 ]  .

 وتمضي الأيات في سرد القصة لتصف بعض المترددين والمنافقين ،  إلى أن تصل إلى وصف المؤمنين وماذا قالوا ( ولما رأى المؤمنون الأحــزاب قالــوا هذا ما وعـدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) [ الأحزاب :  22 ] ..  وهكذا المؤمنون في كل وقت وفي أي وقت  .

 وما يجري الآن من محاولة لتثبيت إسرائيل دولة ،  يقوم بها الكفار جميعا ،  وأمريكا ،  وأوروبا ،  وروسيا ،  وحكام العرب والمسلمين إلا من رحم ربك وقليل ما هم ،  هي محاولة يائسة ،  تحاول أن تمنع قدر يهود في زوال دولتهم ،  بعد أن جاءوا إلى فلسطين عذابا من الله لهم ،  وسيفشل ذلك كله لأن ما كان من القدر لا يبطله البشر  .

 ولذلك حينما تخاطب المسلمين من خلال هذا الكتاب الذي يتبين فيه قدر الله بنصر المؤمنين والذين لا حول لهم ولا قوة إلا بالله ، محاولين أن نكشف الغطاء عن الأعين العمي وأن نسمع الأذان الصم وأن نفتح قلوب المؤمنين ليأخذوا من نور الله في كتابه وسنة نبيه وحياة الرسول الكريم والصحابة الميامين،  نفعل ذلك ونحن واثقون بنصر الله ولكنه نصر محدود بزمن معين وأيام لها تاريخ محدد ،  فمهما حاول المحاولون من كفار وأعوانهم والمتشككــون بنصر الله بأن يثبتــوا إسرائيـل دولـــة فلن يستطيعوا ،  فأمريكا بكل ما تملك من وسائل تدميرية وأسلحة فتاكة ويتبعها في ذلك أوروبا لا تساوي شيئا أمام إرادة الله وقدرة الله ،  فسيمزقها الله وسيفتك بإنسانها الأمراض وقد بدأت تفتك وتمزقها المسكرات والمخدرات وقد بدأت تمزق وتدمرها الزلازل وقد بدأت تدمر وتضربها الأعاصير التي لا تنفع أمامها التكنولوجيا الحديثة أو القديمة  .

 فما كان الله ليذر أمريكا لتفسد في الأرض وترعى الظلم وتحمي الكفر وتتمتع بقتل الإنسان المسلم هي وأبنتها اللقيط إسرائيل من هؤلاء حفدة القردة والخنازير الذين لعنهم الله في كتابه ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) [ المائدة :  78 - 79 ]  .

فهم اليوم في فلسطين يحتفلون بتوزيع الأوسمة على الجنود الذين قتلوا الشباب المجاهد في غزة غدرا بعد أن خرجوا من إجتماع مرخص به منهم ،  وما كان لهم أن يقتلوهم إلا بهذا الأسلوب لأنهم أحقر من أن يواجهوا في معركة..  لذلك فرح أحبارهم وحاخاماتهم ،  وأصدروا الفتاوي بجواز ذبح المسلمين والشعب الفلسطيني ،  وهم ليسوا أهلا بأن يوفوا بميثاق ولا بعهد ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بأيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) [ النساء :  155 ] .. سيندم يهود في ذات يوم قريب بإذن الله ،  وسيندم حكام أمريكا وأعوانهم من حكام العرب ، حينما يفاجأوا بنصر الله للمسلمين ، ستكون الأرض المباركة مقبرتهم الجماعية عذابا لهم في الدنيا ، (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عن ما تعملون) [ البقرة :  85 ]  .

 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايعه أهل المدينة في مكة ،  قد بايعوه على قتال الأحمر والأسود من الناس ،  ولما بايعوه على ذلك قالوا : " ما لنا مقابل ذلك " ،  فقال صلى الله عليه وسلم :"" الجنة  ""  .

 وتمضي الأيات في سرد قصة الأحزاب التي تبين عظمة الله وقـدرتـه وفي وصف المؤمنين ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهــدوا الله عليـه فمنهم من قضى نحبـه - نصيبه من الجهاد والاستشهاد - ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) [ الأحزاب :  23 ]  .

 -   الغيب في فتح خيبر :

 وتمضي معركة نشر الإسلام ، ويذهب رسول الله صلى عليه وسلم لفتح خيبر ، وهي المركز الرئيسي ليهود بعد المدينة في الحجاز ، وكان جنده ألفا وخمسمائة جندي ، وكان عدد جيش يهود خمسة عشر ألف جندي .  وخيبر فيها حصون كثيرة ، وأستمر الحصار الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم على خيبر شهرين ، وبدأت تسقط الحصون الواحدة تلو الأخر ، وأستعصى بعضها على الفتح ، ويأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في يده حفنة من الحصى فيضرب بها الحصن فيهتز ويرتج ويقول وهو يرمي الحصى :"" الله أكبر خربت خيبر "" وبقي الحصن الأخير ، سارت محاولة إثر أخرى لفتحه ولكن لم تفلح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة لأصحابه :"" سأعطي الراية غدا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله  "" ، وقال عمر :" ما تمنيت الإمــارة إلا ليلتها ، وكنت أتطاول حتى يراني رسـول اللـه صلى عليـه وسلـم " ، ثم نــادى الرسول صـلى الله عليـه وسلم عليــا - كرم الله وجهه - ،  وكانت عين علي رمداء ،  وهنا تحدث معجزة فيتفل الرسول صلى الله عليه وسلم في عين علي فتصبح أصح من صاحبتها ،  ويذهب علي - رضي الله عنه - ويتبارز مع مرحب قائد الحصن ،  وتحصن علي بباب الحصن حتى فتح الله عليه ،  وكان الباب من الثقل بحيث يصفه أحد الصحابة ،  حاولنا سبعة أن نقلب الباب على الوجه الأخر فأستعصى علينا ولم نستطع ،  بينما علي حمله بيده كرامة من الله له  .

 اليهود قوم لا يعقلون (ولو عقلوا لما جاءوا إلى فلسطين ، ولما جعلوا الشعوب تعذبهم وتضطهدهم عبر التاريخ) ، دخل عليهم في خيبر أحد حلفائهم من مشركي العرب ، ولعله عيينة بن حصن فقال لحيي بن الأخطب كبير يهود : "ما نتيجة المعركة ؟ " ، قال : "والله إننا لنعلم بأن محمدا سيذبحنا " ، قال : " فلم القتال ؟ " ،  قال : "ملحمة كتبت علينا يا بني إسرائيل"  .

وهكذا يسـاق يهود في التاريخ إلى حتفهم بعنادهم ، ويظنون أن الحصون مانعتهم ،  لكنهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ،  والله يقول فيهم ( لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) [ الحشر : 14 ] ..  وفي أول سورة الحشر (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر - الحشر إلى ديار الشام عامة ،  وفلسطين خاصة ،  ليقوم فسادهم الثاني - ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقــذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فأعتبروا يا أولي الأبصــار ) [ الحشر : 2 - 3 ] ،  وهكذا يأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا  .

 وهكذا كان الأمر سنة 1973 ،  حينما إجتاز جند مصر المسلم قنــاة السويـس وهو يكبر ،  ويسير الجند حتى يحطموا (خط بارليف ) الــذي كان يفتخر به يهود ، وبارليف نفسه ويقول ليهود : " بنيت لكم حصنا لا يستطيع أحـد أن يجتــازه " .  ولكن جند الإسلام المكبرين إستطاعوا أن يهدموه في بضع ساعــات ،  لكن السادات - قاتله الله - كان متآمـرا على أمته وجنده ،  فأوقف الزحف ،  زحف جند مصر العظيمة ،  الذي - كبقية جند المسلمين - لم يعرف النصر إلا وهو في حالة التكبير ،  ولقد حطم هؤلاء الجند العظام والمستشهدين الكرام فرقة للدبابات - أي ما يزيد عن تسعين دبابة - في ثلاث دقائق  .

 ولو سار السادات بجيش مصر ،  لأنهى دولة يهود ،  ولكنه كان متآمرا مع المتآمرين ، مرتدا مع المرتدين ،  منافقا مع المنافقين الذين أضاعوا أمتهم وباعوا دينهم ووطنهم .  وتحضرني في هذه المناسبة ما قاله ( ناحوم غولد مان ) - رئيس الحركة الصهيونية العالمية من سنة 1936 إلى أول الثمانينات - إذ يقول في مذكراته عن اجتماع تم بينه وبين ( بن غوريون ) مؤسس دولة يهود :"" لا أنسى تلك الليلة من ليالي صيف 1956 حينما جلست مع بن غوريون في شرفة بيته في القدس ،  وكان القمر يرسل أشعته الفضية ،  وتحدثنا معا بقلب مفتوح وعقل مفتوح ،  فقال لي بن غوريون :  أنا واثق أني سأموت في ظل ( دولة إسرائيل ) ،  وأعطي أبني موسى 50% لأن يموت في ظل دولة إسرائيل ،  وأما حفيدي فلن يموت في ظل دولة إسرائيل ، وقــد حضر بن غوريـون حرب ( 73 ) ، فذهب لمقابلة (غولدا مائير) ،  وكانت رئيسة الوزراء في ذلك الحين ليطلع منها على الموقف العسكري ،  فأطلع على الحقيقة - إنهيار جيش دولة يهود - فنزل من عندها مهموما فأصابه الشلل ومات في يومه ،  وهو يظن أن دولة إسرائيل قد انتهت ""  .

 وكان موسى ديان وزير دفاع يهود في معركة (73) ،  ويقود المعركة ،  فأرسل إلى غولدا مائير أن الهيكل الثالث قد انهار - يعبر به عن دولة إسرائيل - وكان موسى ديان في حرب ( 67 ) أصبح أسطورة عالمية ،  وصوره في جميع أنحاء العالم ،  أنه القائد العسكري الذي هزم العرب في ساعات ،  وكان الذي يعرف الحقيقة موسى ديان نفسه والحكام العرب وجيوش العرب وكثير من شعوب العرب أن (موسى ديان) لم ينتصر ولم ينهزم العرب ، وإنما كانت الخيانة والتسليم ، فلما إنهزم في ( 73 ) ذهبت أسطورته ،  وعاد في التاريخ مخزيا ،  لأن الذي أنقذه من الهزيمة المحققة أمران :  خيانة السادات ،  وتدخل أمريكا المباشر في المعركة ،  لأنه لو بقي أسطورة فهذا نوع من العزة ،  والعزة محرمة على يهود ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) [ البقرة :  61] " وضربت " بمعنى ختمت ، فالذلة تلازمهم إلى يوم القيامة ، ولكن لله قدرا لا بد أن يتحقق في قيام دولة يهود ثم زوال دولتهم .  موسى ديان لم يعد قائدا تاريخيا في بني إسرائيل يمدهم بالمدد المعنوي ، كما في الأمم التي تفتخر بقادتهـا ليأخذوا منها مددا معنويا يغذي الأجيال عبر التاريخ ،  وليس لليهـود تاريخ عسكري ، ولا قادة تاريخيون ، فهم الرعب في قلوبهم ، والخوف حياتهم ، والذل معيشتهم .. فأنى ينصرون  .

 وإذا كان الأمر كما بينا ،  فاليهود ممنوعون من النصر ،  لا على المسلمين ولا على غير المسلمين ،  فكيف قامت إذن دولة يهود ؟‍‍!

 الجواب :  لم ينتصر يهود في أي معركة منذ ( 48 ) ولم تنهزم الجيوش العربية في أي معركة ،  لكنها الخيانة ،  وتنفيذ المخططات التي قام بها المسؤولون . ففي سنة (48) قطع المجاهدون المياه عن القدس ، وكانت القدس تشرب من رأس العين قرب اللد ، فأنقطع الماء كليا عن القدس ، فسار مائة ألف يهودي في مظاهرة بالقدس يطلبون التسليم ، لأنهم يريدون أن يشربوا،  وكان (الجيش العربي) موجودا في عين كارم ،  وهي قرية موجودة بجانب القدس ،  وهي مشهورة بآبارها وعيونها وكثرة المياه فيها ،  فأمر كلوب باشا قائد الجيش العربي في ذلك الحين بأن ينسحب الجيش من عين كارم ليشرب يهود ،  وهكذا لا تنسى الأمة ( الفضل الكبير !! ) لبريطانيا العظمى ،  عدوة المسلمين الأولى ،  والتي عملت عبر التاريخ بهدم الإسلام ودولة الإسلام  .

 دخل العرب ثلاث معارك حقيقية بعد (67) مع يهود ،  (معركة الكرامة) والتي ذاق فيها يهود الأمرين ،  لأنه كانت هناك إرادة للقتال ،  وحارب الجند بعقيدتهم ،  فأنهزم يهود شر هزيمة ،  والثانية في (حصار بيروت سنة 82 ) حيث إشترك الجيش اليهودي بمعاونة الأسطول الأمريكي ومعاونة الموارنة في حرب ضد الفدائيين ،  وصمد الفدائيون على قلة عددهم أمام أفتك الأسلحة ،  وتحت وابل القنابل ،  التي كانت تلقى جزافا من الطائرات ومدفعية الأسطول السادس الأمريكي ،  ولما لم تفلح الحرب في القضاء على الفدائيين وإخراجهم من لبنان ،  أخرجتهم السياسة والخيانة ،  والثالثة معركة (إجتياز قناة السويس سنة 73 ) والتي لولا خيانة السادات لكان في هذه المعركة القضاء على ما يسمى بدولة يهود،   ولقد سألني مسؤول أمني كبير سابق ،  أمام عزاء كبير ،  بعد أن شرحت الآيات التي تمنع إنتصار يهود في أي معركة وخصوصا مع المسلمين ،  فقال إذن :"  كيف ذهبت فلسطين ؟!! " قلت له :"  والله لا يعرف أحد مثلك كيف ذهبت ، فأشرح للناس الحقيقة " ، فسكت ،  بعد أن ضج العزاء بالضحك .!!! "  .

 والآية التي تحرم عـلى اليهود النصر في سورة آل عمران (لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) [آل عمران :111] ، "أذى" : نسف بيوت ، تقطيع أيدي ، تقطيع أرجل ، بقر بطون الحبالى ، قتل الأطفال وتجويع الناس . . إلى غير ذلك من أساليبهم التي تنم عن حقدهم الدفين ضد الإســلام والمسلمــين ،  بل ضد الخلق أجمعــين ،  لأن في التلمود - كتابهم المقدس الثاني - الذي يقدمونه على التوراة المحرفة ،  يقولون في هذا التلمود : "" إن البشر جميعا من نطفة الحصان ،  والذين من نطفة آدم هم اليهود فقط ،  وإنما جاء البشر على شكل آدمي حتى لا يشمئز اليهودي حينما يخدمه الناس ""  ويعتبر دم البشر مباح ،  وفي عيد الفطير عندهم ،  يبلغ ذروة قدسيته إذا إختلط العجين بدم المسلم أو النصراني ،  ويعتبرون مال غير يهود مباح ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك - والمقصود هنا بعض النصارى - ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يفترون - وهؤلاء المقصود بهم اليهود - ) [ آل عمران :  75 ] .. و " الأميين " : هم غير اليهود من جميع الأمم ،  وهكذا ذهبت فلسطين بالخيانة والتسليم ولم تذهب بالهزيمة ،  ولكن كل ذلك إلى حين  .

 ولما كان زوال دولة إسرائيل قدرا من القدر ،  وحتمية قرآنية وبشرى نبوية ،  جاءت لتذهب ومنذ بدء تأسيس دولة يهود سنة 1918 وقد أسسوها سنة 1948 ،  وبالرغم من كل الوسائل المادية التي يملكونها وأسلحة التدمير ،  ومساعدة كل العالم لهم وعلى رأسهم الحكام العرب ،  مع هذا لم يذق يهود طعما للراحة والأمن ،  ولا تمتعوا بمتعة السيادة ،  حياتهم مضطربة ليل نهار ،  وخوفهم متصل لا ينقطع ،  وذلهم دائم لا يزول ،  فهم الشعب الوحيد في العالم الذي أصبعه على الزناد منذ ست وسبعين سنة لم يرفعه لحظة واحدة  .

 وهذه المرة كانت الإنتفاضة في فلسطين والتي شوهت وجه يهود ،  وكشفت جيش يهود ، وحقارة يهود ،  والتي هي أول الطريق لدولة يهود في الغريق ،  وأن تصبح من مخلفات التاريخ ،  يتبارى الكتاب والمؤرخون في بيان لماذا ذهبت دولة إسرائيل ؟ .

 والرسول صلى الله عليه وسلم قال قبل وفاته بخمسة أيام قال : " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ، أخرجوا اليهود والنصـارى " أما نصارى العرب وكانوا في اليمن فقد أسلموا ، وأما يهـود فأخرجهـم عمـر بن الخطاب ،  فـقد أرسـل عمر بن الخطـاب - رضي الله عنه - محمد بن مسلمـة من الأنصـار - رضي الله عنه - لإخراج يهود من خيبر والجزيرة تنفيذا لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته ، وكان محمد بن مسلمة على صداقة مع يهود أيام الجاهليــة ، فلمــا وصل محمد بن مسلمة خيبر قال كبير يهود أبن أبي الحقيق :"" ألم يجد عمر أحدا غـيرك كي يرسله إلينا - وذلك لما بينه وبين يهود من صداقة قديمة -"" فقال :"  هذا أمر أمير المؤمنين ولا بد أن تخرجوا " ،  فقال أبن أبي الحقيق :""  لا طالما تطاولتم علينا أيها الناس ، وظننتم أن الله قد تخلى عنا ، فوالله لنخرجنكم مثلها كفرا كفرا ،  حتى تدخل نسـاؤنا على نسائكم ،  فتبيت نسـاؤكم في شر ليلة ،  وتكون اللقمة في يد المسلم يريد أن يدنيها إلى فيه ، فيدخل عليه رجال أشداء من بني اسرائيل فيأخذونها منه ، وسيكون منكم رجال يأتمرون بأمرنا ،  ويعملون لمصلحتنا ،  يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدينا ، وإن هذا من أخبار أنبيائنا "" ،  فقال له محمد بن مسلمة :" والله لإن صدق أنبياؤكم فلكي يصدقوا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم الذي قال :"" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون يهود ،  فيقتلهم المسلمون ، حتى يقول الحجر والشجر : يا مسلم يا عبدالله ورائي يهـودي تعـال فأقتله ، إلا الغرقد فإنه من شجر يهود  "" ، وسيكون استئصالكم واستئصال شأفتكم على أيدينا " . فلما رجع محمد بن مسلمة إلى المدينة أخبر بما حدث وما جرى من الحديث بينه وبين كبير يهود ، فقال عبدالله بن عمر :" أوكائن ذلــك يا أبا عبد الرحـمن ؟ " ، فقال له محمد بن مسلمة :" وما علمي بالغيب ، إنما هو حديث سمعته من الرسول صلى الله عليه وسلم " .. [ الرسالة وتصدر في مصر  ،  وكانت تصدر عددا هجريا كل عام ،  وهذا الحديث نشرته في عددها الصادر في عام 1946 / القاهرة لصاحبها أحمد حسن الزيات  . ]   .

 -   الغيب في فتح مكة  :

 ونعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته الجهادية المتصلة فيقــرر فــتح مكــة ،  التي وقــف ليلة هجرتـه منها على أبي قبيس مطلا على الكعبة وقال : " والله إني لأعلم أنك أحب أرض الله إلى الله ،  وأنك أحب أرض الله إلي ،  ولولا أن قــومك أخرجوني ما خرجت " فنزل عليه قوله تعالى ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) [ القصص :  85 ]  .

 وهكذا تهيأ الرسول صلى الله عليه وسلم لفتح مكة ،  وصدق الغيب ،  وصدق القرآن وتحقق وعد الله ،  ودخل مكة وطـاف حـول البيت يرمي بالأصنـام حــول الكعبة على وجوهها وهو يقــول : ( وقــل جاء الحق وزهــق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) [ الإسراء : 81 ] ..  وكان قد رأى ذلك في المنام أنه سيدخل مكة ،  ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي ،  يصور ذلك الله سبحانه وتعالى في القرآن ( لقد صــدق الله رسوله الرؤيا بالحق ،  لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ) [ الفتح :  27-28 ] ..  ويأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلالا أن يصعد على ظهر الكعبة ويؤذن ،  وكان بلال من العبيد المستضعفين الذين عذبـوا في الله ، وكان يقول وهو في أشد العذاب وقد أمره سيده ( أمية بن خلف ) بأن يعلن شركه :" أحد .. أحد .. " فهو بهــا يذكـر الله وبها يستغيث باللــه فاستجـاب له اللـه بعد حين (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [ القصص :  5 - 6 ] ..  وهكذا نرجو الله سبحانه وتعالى أن يحقق وعده الآن على يد الشباب الذي يعذب في العالم الإسلامي لا لذنب أقترفوه إلا أن يقولوا ربنا الله ،  فسلط عليهم شياطين الإنس ( الكفر وأعوانه ) فراعنة هذا العصر الذين أمروا الشعوب أن تعبدهم من دون الله .  فنرجو الله أن يمكن لهؤلاء الشباب الموحد فيخرجون من سجونهم ومعتقلاتهم ومن عذابهم فيقفون في مساجد العالم الإسلامي في الأقصى ،  والكعبة ،  ومسجد الرسول ،  والأزهر والقيروان ..  وفي كل مساجد المسلمين الكبرى في العالم الإسلامي فيؤذنوا كما أذن بلال ،  ويكون الأمر لهم ويجعلهم الأئمة ويجعلهم الوارثين كما حدث لأسلافهم الذين مكن الله لهم في الأرض وجعلهم أئمة وجعلهم الوارثين .  فقد وقف ذات يوم أبو سفيان ( سيد قريش قبل الإسلام ) وبلال ( العبد قبل الإسلام ) على باب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم أجمعين - يستأذنان في الدخــول عليه .  فأذن لبــلال قبل أبي سفيـان ،  فقيل له في ذلك :" كيف تأذن لبلال قبل سيد قريش " ، فقال :" لقد أعز الله بلالا فقدمه بالإسلام وأخر أبو سفيان " .  وكان عمر يقول :" أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا - يعني بلالا - "  .

 وهكذا تحققت الوعود الإلاهية وسيتحقق الوعد الرباني بزوال دولة إسرائيل لأن الواعد واحد والموعودون واحد ،  فالواعد هو الله والموعودون هم المسلمون منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ،  والمتشككون في نصر الله هم المنافقــون من عهـد الرسول صلى الله عليـه وسلم وإلى قيـام الساعة .  فالذين يتشككون في نصر الله هم الذين لم يخامـر الإيمان شغاف قلوبهـم ،  فلا يتصورون أننا سننتصر على يهود ، ولا يصدقون ذلك ،  لأنهم عن الغيب معزولون ، ومن قراءة القرآن محرومون وعلى أحاديث رسول الله لا يطلعــون ،  حياتهم كفر في نفاق ،  وتضليل في الآفــاق ،  وكذب على الأمة ، نقول لهم سندخل القدس ، ندخله نحن جند محمد صلى الله عليه وسلم ،  وجند القرآن وجيش الإسلام ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) [ الشعراء : 227 ] ..  وهم لا يتصورون إلا القوى العظمى وما تملك من وسائل التدمير التي ترعب بهــا البشر ويخافون من الـمؤامرات التي تحاك ضد المسلمين ليل نهار ،  مؤامرات ضخمة فيها أموال ونساء وإنقلابات واغتيالات وإشاعات بحيث يتصور الإنسان أن هذه القوى لا تهزم وما عليه إلا أن يستسلم لها والله سبحانه وتعالى قد تحدث عن هذه المؤامرات والتخطيط الماكر للعدو الذي يحطم به الدول والأفراد والجماعـات ولكن هذا المكر وهذا الدهاء وهـذه المؤامرات لا تســاوي عند الله شيئــا عندما يقـرر الله تحطيم الكـفر ،  فالله يقول ( وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) [ إبراهيم : 46 ] ..  مؤامرات ضخمة لا يتصورها الخيال ،  والمكر هو التدبير الخفي ضد العدو ،  فالله يطلع على هذه المؤامرات أين تعقد !  وكيف تحاك !  في عواصم الكفر الكبرى وعواصم المنافقين وهم يتعاونون في ذلك التخطيط والتنفيذ ولكن الله لهم بالمرصاد فهو يطمئن المؤمنين الذين وعدهم بالنصر المبين وفتح الدنيا وظهور هذا الدين وزوال دول الكفر مهما عظمت ويكون ذلك بمقدار ما نتقرب إلى الله ونستغيث بالله يأتي الفــرج فيبشر المؤمنين ويقول بعد الآيات التي تحدث فيها عن المؤامـرات ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ) [ إبراهيم : 47 ] ..  وها هو الآن قد مزق الإتحاد السوفياتي وأمريكا في طريقها إلى التمزيق وسينتقم بعزته وجبروته من الكفر والظالمين والقوى الكبرى ( إن الله عزيز ذو إنتقام )  .

-   الغيب في غزوة حنين  :

 ويخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ليغزو ثقيفا ، وكانت قد خذلته قبل عدة سنوات  وخرج بجيش قوامه إثنا عشر ألفا ، عشرة ألاف جنود الفتح الذين جاءوا معه من المدينة والباقي من أهل مكة الذين أسلموا حديثا ،  والعرب لم تعرف هذا العدد من الجيوش في تاريخها ،  فأصاب الغرور بعض الصحابة فأغتر بكثرة العدد - ولعله أبو بكر - فقال :" لن نغلب اليوم من قلة " ، فدخل العجب إلى بعضهم ،  فنسوا نصر الله لهم وهم مستضعفون لا عدد ولا عدة ،  فأراد الله أن يؤدبهم ويعلمنا من بعدهم ،  ويعلم المسلمين عبر الأيام إلى قيام الساعة أن النصر للمسلمين ليس بكثرة عدد ولا عدة ،  إنما النصر من عند الله ،  فلما دخل المسلمون وادي حنين إنقضت عليهم ثقيف من جنبات الوادي ،  وكان ذلك مع عماية الصبح ، فأضطرب جيش المسلمين ، وولت الكثرة مدبرين،  ولــم يثبت إلا الــرسول صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه ،  وهنا يتدخل الغيب ،  فيقــاتل الرسول صلى الله عليــه وسلم بيديه وهو يقول :"" أنا الــنبي لا كذب ، أنا أبن عبد المطلب "" ..  إذن هي النبوة وهي الوحي وهــي الغـيب . وقــد أمـر عمـه العبـاس بن عبدالمطلب وكان جهوري الصوت أن ينادي في المسلمين :  أن هلموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يا أصحاب بيعة الرضوان ، ويا أصحاب بيعة العقبة ،  ويا أهل بدر ،  ويفيق المسلمون من الصدمة التي صدموا بها ،  ويعودون إلى رسول الله والثابتين من حوله في المعركة  .

 ويتدخل الغيب ، وتتنزل جنود الله فتنقلب المعركة من هزيمة إلى نصر ، ويسجل ذلك الله في كتابـه ( لقد نصركم اللـه في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * - وهنا يأتي الـغيب -  ثم أنزل الله سـكينتـه على رسولــه وعلى المؤمنين وأنزل جنــودا لم تروهــا وعــذب الذين كفــروا وذلك جزاء الكافرين ) [التوبة : 25 - 26 ]  .

 إذن أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلم المسلمين ويؤدبهم أن النصر ليس بكثرة عددهم ولا بكثرة عدتهم ،  إنما النصر من عند الله ،  فينزل الجنود التي لا نراهــا حين يستغيث المسلمـون بالله ..  وهــذا المعنى الذي فقده المسلمون أيام هزائمهم ،  حين سيـطر الفكر المادي على قياداتهم وحكامهم فلم يلجأوا إلى الله ،  وأنى لهم أن يفعلوا ذلك ،  وجلهم لا يؤمن بالله ،  فلا يمكن أن يأتي النصر على أيديهم  .

 وهنا نريد أن نوضح قاعدة غائبة عن كثير من الناس حتى عن كثير من الدعاة الإسلاميين . أن النصر لا يكون بكثرة العدد والعدة ،  لأن الكثرة لا تنتصر إذا لم تعتمد على الله ، فقد شطب الله الكثرة وهو ينصر القلة المؤمنة ،  فلا يعتمد على الكم ، ولكن يعتمد على الكيف . ويقرر ذلك في آيات قرآنية كثيرة  : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كـثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ) [ التوبة :  25 ] .. ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) [ يوسف : 103 ] ..  ويقول ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [ يوسف : 106 ]  .

 إذن هذه الفئة الضالة أو المشركة - ولو كثرت - لا تنتصر ،  وفي كل المعارك التي خاضتها ( الجامعة العربية ) منذ سنة 1948 - هذا إذا فرضنا أنه حصلت هناك معارك حقيقية ولم يكن الأمر أمر مؤامرات تنفذ - كان العرب دومـا أكـثر عـددا وعـدة من يهـود ، لكن هـذه الجيوش لم تنــاد الله ،  ولم تستغث بالله ،  بل كان ممنوع عليها أن تستغيث بالله ،  فهي تستغيث بكل شيء إلا الله ،  وكان من ضمن شعارات معركة ( 67 ) ( الـميراج يتحدى القدر ) ومنها الأغنية المشهورة ( لأجل الربيع . .  لأجل الرضيع . .  لأجل الحياة إضرب ) ، وكان المشرفون إعلاميا في المعركــة يمعنون في تحد لله ، فيقولون ( يا أبناء الفراعنة ) فهم يشيدون بالكفار وآلهة البشر التي تحدت الله عبر التاريخ . . فأنى ينصرون .  وكان جنود مصر في معركة سنة ( 67 ) بدلا من أن يستغيثوا بالله ويكبروه ،  أمــرهم قـائدهـم (الملهم) أن يقولوا وهم في ساحة المعركة (بر ، بحر ، جو) بدلا من التكبير ،  لأن التكبير لا يتناسب مع ( التطور الحتمي ) الذي كان ينادي به ،  وكذلك تستغيث ( بالقائد ،  الزعيم ،  الفراعنة ،  جاهيلة أبي جهل ) .. 

 ولذلك كان لا بد أن يحدث الذي حدث ،  وأن يهزم الفكر والحكام والأحزاب التي كانت تسود المنطقة من أول الـقرن إلى أن قامت دولة إسرائيل ،  في مرحلتين أساسيتين : المرحلة الأولى : حيث نفذت ( الجامعة العربية ) الخطة التي قامت من أجلها وهي إقامة دولة يهود ،  بعد أن عجزت بريطانيا ويهود من أخذ فلسطين من أهلها ، إذ كان يهود يملكون حتى سنـة 1918 (2%) من أرض فلسطين ،  ولم يملكوا حتى سنة 1948 سوى ( 5.6 % ) من أرض فلسطين ،  أي أنهم إستطاعوا أن يملكوا خلال ثلاثين سنة ( 3.6 % ) فأعيا ذلك الإنجليز ويهود ،  فأنشأوا الجامعة العربية لتتولى هي تسليم فلسطين ليهود ،  فسلمت ثلثيها عام 48 في عهد الحكـام الرجعيين وتم تسليم الباقـي سنة 1967 ،  وذلك في عهد الحكام الثوريين جدا !! .

 وكان لا بد أن ينهزم هؤلاء الحكام ولو إنتصروا - لا سمح الله - لانهـارت قاعــدة الإسـلام الثابتــة ( إن تنصروا الله ينصركـم ويثبت أقدامكم ) [ محمد :  7 ] ..  وأنى هناك نصر يكون للمسلمين بغير إسلام !!؟  .

 وكنت في سنة (67) وقبلها بسنين أرى الأمة بعين المؤمن وهي تنهار ،  وأن زعاماتها في ذلك الحين تقودها إلى المسلخ وإلى الهزيمة وإلى العار ،  كان ميثاق عبد الناصر قد أحله محل القرآن ،  وأمر أئمة المساجد ووسائل الإعلام أن تستشهد به مكان القرآن ،  بالإضافة إلى تعذيب الإنسان وترويع الآمنين وقتل المؤمنين ،  فما كان اللـه لـينصره وأن ينصر حـزب البعث ،  الــذي قال أحد قادته قبل المعركة بثلاثة أشهر في مجلة خاصة بالجيش السوري : " إن الله من مخلفات التاريخ ،  وأنه يجب أن يوضع في متحف "   

كـبرت كلمـة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كفرا وإلحادا ،  فكانت الهزيمة التي لم ينتصر فيها يهود وإنما سلم العرب أوطانهم بغير حرب ،  لأن النصر ليهود ممنـوع لا على المسلمـين ولا على غير المسلمين ، لأن النصر عزة ، والعزة ممنوعة على يهود (ضربت عليهم الذلة والمسكنة) [البقرة : 61]  .

 والذي وضح هذا المعنى وهو عدم إنتصار ( يهود في أي حرب ) مع المسلمين أو غيرهم آية في سورة آل عمران ( لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون * ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) [ آل عمران : 111-112 ] . والكثرة الضالة كما بينا سابقا لا تنتصر ولكن النصر يكون للفئـة المؤمنة ولو كانت قليـلة ، ويقرر الله ذلك في آياته فيقول (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللـه واللـه مـع الصابريـن) [ البقرة : 249 ] ،  ( ثلة من الأولين * وقليل من الأخرين ) [ الواقعة : 13-14 ] ، (وثلة من الأولين * وثلة من الأخرين) [ الواقعة : 39-40 ] ..  والقلة قد تتقلص إلى رجل واحد مؤمن من أولياء الله ،  يدعو فيستجيب له الله ، ويهييء الله بسبب دعائه أسباب النصر .  ولذلك كان قادة الفتح الإسلامي الأول يحرصون على أن يكون في جيوشهم عدد من أصحاب معركة بدر ،  لأنهم مستجابو الدعاء ،  وقال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم :""  لعل الله تجلى على أهل بدر يوم بدر وقال إفعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم  "" ،  والحديث ""  رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره  ""  .

 المسلمون عبر تاريخهم كانت القلة هي التي تنتصر ،  لكن أي قلة ؟  قلة متصلة بربها ،  في صلاة ، وصيام ،  وزكاة وحج ،  وفي نوافــل يتقرب بها العبد إلى الله ،  وتلاوة قرآن في الليل والنهار ،  وفي ذكر وتسبيح والذي يكون أشد ما يكون إليه العبد وهو في المعركة حتى يأخذ المدد من الله ،  فيثبتــه ويقويه ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فأثبتوا وأذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وأصبروا إن الله مع الصابرين ) [ الأنفال : 45 - 46 ] ..  وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ""  ما تقرب إلي عبدي بأفضل مما أفترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت بصره الذي يبصر به ،  وسمعه الذي يسمع به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ،  فبي يبصر ،  وبي يسمع ،  وبي يبطش ،  وبي يمشي ،  ولإن استعاذني ،  لأعيذنه ، ولأن استنصرني لأنصرنه  ""  .

 هذه النوعية من المؤمنين التي تنتصر ،  رهبان في الليل فرسان في النهار ،  وفي الحديث " أن الله ينزل إلى سمــاء الدنيا - والله أعلم كيف ينزل - في الثلث الأخير من الليل ،  فيقول :""  هل من مستغيث فأغيثه ،  وهل من داع فأستجيب له وهل من مستغفر فأغفر له  "" .

 جند المعركة الإسلامية المنتصرون عبر التاريخ ،  هم الذين يأكلون الحلال ،  ويشربون الحلال ،  ويلبسون الحلال ،  فتنموا أجسامهم من الحــلال ويتجنبون الحــرام ما أمكن ،  فـلا يدخل جوفهم مال من ربا أو غش أو قمار أو سرقة أو رشوة أو خيانة إلى غير ذلك من الحرام ،  وعند ذلك يصدق قوله تعالى ( إن تنصروا الله ينصركم ) فنصر الله هو تنفيذ لأحكامه يقوم بها المسلم والأمة منها ما يتعلق بعلاقة الفرد مع ربه من صلاة ، وصيام ، وزكاة ، وحج ، وتسبـيح وتهليل ( يا أيها الذين آمنوا إذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا ) [ الأحزاب  : 41 - 42 ]  . فما كان الله لينصر قوما لا يؤمنون به ،  ويرتكبون المعاصي ، ويتبجحون بعد ذلك بأنهم مسلمون ،  كتب عمر بن الخطاب رسالة إلى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهما - بعد أن ولاه العراق وقيادة معركة القادسية ،  يقول له :"" يا سعد سعد بني وهيب ، لا يغرنك أن قيل خال رسول الله - لكون سعد من بني زهرة أخوال النبي ،  وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفتخر به :" هذا سعد خالي فليرني امرؤ خاله " - إن الله لا يمحو السيْء بالسيء ،  ولكن يمح السيء بالحسن ،  إياك أنت وجنودك من المعصية ،  فإنما تنتصرون على عدوكم بمعصيتهم لله ومخافتكم أنتم له ،  فإذا تساويتم مع عدوكم في المعصية لم يكن الله مع أحد الطرفين ،  وكانت الغلبة لمن هــو أكثر عددا وأكثر عـدة ،  ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلا يسلط علينا ،  فربما سلط قوم على من هو شر منهم ،  كما سلط الله نبوخذ نصر على بني إسرائيل  ""  .

 ومنها ما يتعلق بعلاقة الفرد مع الدولة ،  من الأحكام التي لا تستطيع تطبيقها إلا الدولة من أحكام إدارة شؤون الناس والجهاد ، والقضاء ، والعقوبات إلى غير ذلك من الأحكام . كذلك ما يتعلق بعلاقة الفرد مع مجتمعه من الأخـلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام ، عند ذلك يأتي نصر الله ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) [ غافر :  51 ]  .

 -   الغيب في معركة مؤتة  :

 ويستمر الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته إلى العالـم بعد أن دانت له الجزيرة العربيــة ( الحجــاز ،  نجـد ،  واليمن ) ،  فيقرر أن يخرج إلى تخوم بلاد الشام أرض مؤتة في الكرك ،  لطرق أبواب الدولة الرومانية ،  ليعلمهم أنه قد أرسل إلى الناس كافة ،  ويسير برعاية الله يرسل جيشـا قوامه ثلاثة ألاف رجل ،  ويعين لهذا الجيش ثلاثة من القادة لأول مرة في معركة من المعارك قال :""  الأمير القائد زيد بن حارثة ،  فإن أستشهد فالأمير جعفر بن أبي طالب ،  فإن إستشهد فالأمير عبدالله بن رواحة  "" - رضي الله عنهم جميعا - ويخرج الجيش ليلتقي بجيش الروم وعدده مائتا ألف ،  مائة ألف من الروم ومائة ألف من العرب المتنصرة ، لا تكافؤ في عدد ولا عدة ،  ولكنه تمرين عسكري لطرق أبواب الدولة الرومانية ،  وليعلمهم أن هذا الدين الذي جاء لإنقاذ العالمين قـادم عليكم لا محالة ،  ويستشهـد زيد بن حارثة - رضي الله عنه -، فيأخذ الراية جعفر بن أبي طالب بيمينه فتقطع ،  فيأخذها بيساره فتقطع ،  فيضعها بين عضديه حتى إستشهد ،  ويتردد عبدالله بن رواحة في أخذ الراية بعض التردد ، فيجزر نفسـه ويقـول لهـا : " يا نفس أمن الجنـة تفريـن " وكان الرسول صلى الله عليه وسلم على اتصال مباشر مع المعركة عبر الوحي فقال لهم :""  إستشهد زيد بن حارثة ،  فأخذ الراية جعفر وقطعت يداه ،  فأبدله الله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة - ومن هنا سمي جعفر الطيار - واستشهد عبدالله بن رواحة ،  وقد رأيت الثلاثة على سرر من ذهب في الجنة ، وفي سرير عبدالله بن رواحة ازورار - أي انخفاض - عن صاحبيه لأنهم أقدموا وتردد  ""  .

 ويجمع المسلمون في المعركة على ( خالد بن الوليد ) ، فيعطونه الإمارة ، فيناور ويتكتك - كما يقولون - حتى إنسحب من المعركة بمهارة عسكرية فائقة ،  فلما وصل الجيش المدينة قابله المسلمـون بغير ترحاب وهم يقولـون لهم أنتم الـفرار ،  ولكن الرسول صلى الله عليـه وسلم دافـع عنهم وهـو يقول :" بل الكرار بإذن الله "".. وتؤدي هذه المعركة رسالتها في جرح معنويات الإمبراطورية الرومانية، فما كانت تتصور أن هؤلاء العرب ، يمكن أن يهاجموها في عرينها .

 -   الغيب في غزوة تبوك :

 فيقرر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج مرة أخرى إلى حدود بلاد الشام ،  وهذه المرة بنفسه قرر أن يخرج إلى تبوك في شدة الحر ( شهر آب ) ،  حيث لا ماء ولا ظل في أرض تلتهب حجارتها ،  والإنسان أحوج ما يكون إلى ظل ظليل ، أو إلى ماء بارد يمنع عنه شدة العطش ،  لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يخـرج في هـذه الحالــة ،  لـيجري التمرين الأخــير للجيش الإسلامي الذي سيتولى تحطيم الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية فيما بعد  .

 ويصل إلى تبوك بجيش قوامه ثلاثون ألفا ،  في شح من الماء ،  فلما شكا المسلمون من العطش وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في الرمل ،  فنبع الماء من بين أصابعه فشرب الجيش ،  وأخذ ما يحتاجه من الماء للغسيل أو الطهي ،  وأرسل وفدا إلى معان ،  وآخر إلى أيلة - العقبة - ويأتيه صاحب معان وصاحب أيلة ،  ويعطيهما الأمان ويكتب لهما كتبا بذلك مقابل دفع الجزية ، ويخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن تبوك أنها ستصبح جنـات وأنهــارا فيقول :""  كيف أنتم وقد عادت تبــوك جنات وأنهارا  "" وهي اليوم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم . .  إنه الغيب  .

 وكانت سحابة قد مرت فأمطرت الجيش ،  فقال المسلمون معجزة لرسول الله من الله ،  وقال الذين في قلوبهم مرض سحابة صيف مارة .  وتخلف أقوام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلحقوا به في المعركة ،  فمنهم من كان مؤمنا لكنه آثر الدعة والراحة ،  فلما رجع رسول الله كانوا صادقــين معه فلـم يختلقــوا الأعذار ،  فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى ينزل فيهم الوحي ،  وأستمرت المقاطعة خمسين ليلة ثم صدر العفو الرباني عنهم وقبول توبتهم ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقــت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إنه هو التواب الرحــيم ) [ التوبه :  118 ]  .

 وأما المنافقــون الذين اعتذروا بأعذار واهيــة فلم تقبل توبتهم ،  لأنهم حاولوا خداع الله ورسوله . .  وأمثالهم اليوم الذين ينادون بالصلح مع يهود حرصا على حياة الدنيا ،  وخوفا من أن تدمر قصورهم وبيوتهم وأموالهم ،  فيدعون إلى ( العقلانيـة والواقعية ) ،  فيسجل الله الموقف لأولئك القوم ولكل متردد أو خائف أو منافق عبر التاريخ في هذه الأيام وفي كل يوم آت (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله  وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون * فليضحكوا قليلا - في الدنيا - وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) [ التوبة : 81-82 ] .

 وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

 ويرجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يعيش بالغيب ومع الـغيب حتى دخــل الناس في دين الله أفواجـا ،  فأسلمـت اليمن بغير قتال ، أرسل إليها عليا بن أبي طالب ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - فكان لا بد من الرحيل من هذه الدنيا إلى جنة عرضها السماوات الأرض ..

 لم ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أسلمت الجزيرة العربية كلها،  هذا الذي خرج وحيدا من مكة إلا من صاحبه ودليله ،  تدين العرب كلها له اليوم ،  فينزل عليه قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ( إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك وأستغفره إنه كان توابا ) [ سورة النصر ] .  فلما سمع أبو بكر السورة بكى ،  فقيل له لم تبك يا أبا بكر ، والموقف موقف فرح ونصر، فقال : - ببصيرة المؤمن - والله ما تم امر إلا وبدأ بالنقصان ،  ففهم من السورة أن الله ينعى الرسول صلى الله عليه وسلم لنفســه وللمؤمنــين  ..  ويخرج الرســول صلى الله عليــه وسلم وكـان قــد مرض متكئـا على خادمــه ابي مويهبة ويقــول :" يا أبا مويهبة ،  أمرت أن أستــغفر لأهل البقيع - مقبرة المدينـة - وقال لــه :""  إن عبدا خـيره ربه بين الخلود في الدنيـا ثم ملاقاة وجه ربه والأخرة والجنــة وبين أن يلقى الله سريعـا ، فأختـار لقـاء الله  "" أو كما قال عليه الصلاة والسلام  .

 وينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ،  ويضطرب المسلمون بين مصدق ومكذب ، ويصدم الحدث العظيم عمر بن الخطاب فيقف في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول : " من يقول إن محمدا قد مات فسأقتله بسيفي ، إن محمدا قد ذهب يناجي ربه كما ذهب موسى يناجي ربه " إلى أن جاء أبو بكر الصديق وكان خارج المدينة ،  فدخل المسجد بنفسية الصديق وإيمان ثاني إثنين إذ هما في الغار ،  والذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :"" ما عرضت الإسلام على أحد إلا ووجدت منه ترددا إلا ما كان من أبي بكر فإنه آمن ولم يتردد  ""، فيقف أبو بكر في المسجد ويقول : " من كان يعبد محمدا ، فإن محمدا قد مات ،  ومن كان يعبد الله ،  فإن الله حي لا يموت " وتلى قول الله تعالى ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الأخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) [ آل عمران : 144 - 145 ]   .

الغيب في عهد الصحابة

 وقبل أن يوارى الرسول صلى الله عليه وسلم في قبره ، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعده ،  لينظروا أمر خلافة النبي ، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ، وصار نقاش وجدال ، أدلى كل برأيه وبحجته من الأنصار والمهاجرين ،  حتى أستقر الرأي على أبي بكر فكان الخليفة الأول  .

 وحتى يستمر الإسلام في دولة تطبقه ،  فالإسلام ليس دينا فرديا ،  فمن أحكامه ما هو مطلوب من الفرد ومن الاحكام مالا تستطيع تطبيقه إلا دولة ،  وعلى رأس ذلك الجهاد ،  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهز جيشا لإرساله لهذه الديار ( أطراف بلاد الشام ) ،  وأسند قيادته إلى أسامة بن زيد ، وكان شابا صغير السن  .

 وفـور وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بدأت الردة في العرب ،  مسيلمة وسجاح والأسود العنسي وغيرهم ، حتى إرتدت كل العرب ما عدا مكة ، والمدينة ،  والطائف والبحرين ،  فقرر أبو بكر أن يرسل جيش أسـامة ،  لكن الصحابة حاوروه في ذلك ، وأن الجيش يجب أن يبقى لحماية المدينـة خوفا من هجوم المرتدين عليها ،  فتمسك أبو بكر بالغيب ،  وقال : " كيف تريدون مني أن أبطل عملا عمله الرسول صلى الله عليه وسلم " - لم يقل عمله محمد بن عبدالله وإنما قال عمله رسول الله - إذن هي الرسالة والنبوة والغيب  .

 وكان في إرسال الجيش معنى كبير ، أثر في المرتدين ، إذ لو ظهر المسلمون في حالة ضعف لطمع فيهم المرتدون .  وهناك صورة أخرى للردة ،  بعض الذين إرتدوا من العرب رفضوا أن يدفعوا الزكاة ،  فارسل الصحابة عمر إلى أبي بكر ليطلب منـه عــدم مقاتلة الذين اعترفــوا بالإسلام ما عدا الزكاة ، فقال له : " ويلك يا ابن الخطاب أجبار في الجاهلية خـوار في الإسلام ،  والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليـه " . .  إنه الإيمان بالله وبالغيب ،  ويدخل أبو بكر في معارك في طول الجزيرة العربية وعرضها ، يطارد المرتدين حتى إستقر الأمر للإسلام ، لا بكثرة عدد ولا عدة ،  ولكن بفيض من الإيمان وطلب الجنة والشهادة  .

 ويبدأ أبو بكر بعد أن استقر الأمر ،  وقضى على الردة في مهدها ، في تبلـيغ الرسالة ، وتأدية الأمـانة ،  فـيرسل الجيوش إلى الدولة الرومانية ،  ويعين أربعة من القادة : يزيد بن أبي سفيان : البلقاء ، وعمرو بن العاص : فلسطين ،  وشرحبيل بن حسنة : الأردن وأبو عبيدة عامر بن الجراح : قائدا عاما لجيوش الإسلام .  ويرسل إلى الدولة الفارسية جيوشا أخرى بقيادة المثنى بن الحارثة ومن ضمن قادته خالد بن الوليد .  فكان منطق السياسة والإعتماد على القوى المادية ، إن كانت هي المعتمـدة في المعركة ، أن لا يهاجم الدولتين العظميين في آن واحد ، وأن يبدأ بواحدة منهما حتى إذا ما إنتهى منها بدأ بالأخرى  .

 لكن الصحابة -رضي الله عنهم - وأبو بكر على رأسهم ، فهموا السر وعرفوا الحقيقة ، إنهم لم ينتصروا قط بكثرة جيوشهم ، وإنما النصر من عند الله (لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فأتقوا الله لعلكم تشكرون) [ آل عمران :123 ] ، وكان رسـول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديثه " نصرت بالرعب من مسيرة شهر " فهذا للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين من بعده ،  ولكن أي مسلمـين ؟! ليسوا من هؤلاء الأعراب الذين يقول الله فيهم ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنـا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من عملكم شيئا إن الله غفور رحيم ) [ الحجرات : 14 ] .. إذن من هم المؤمنون ؟!! هم الذين قال فيهم الله بعدها مباشرة ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) [ الحجرات :  15 ]  .

 ليسوا بعثيين ، ولا شيوعيين ، ولا علمانيين ، ولا ماسونيين ، ولا متبطلين من هؤلاء الصوفيه الغلاة ، الذين لا يقولون بالجهاد ،  ولا من هذه الحركات المشبوهة التي تحرم الجهاد ،  ولا من هذه الحركات التي تنظر إلى الإسلام على أنه نظام اقتصادي أفضل من الأنظمة الأخرى يشبع المعدة ،  والذين لا يقولون بالجهاد إلا من وراء خليفة مخالفين قول الله تعالى ( فقاتل في سبيل الله لا تلكف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) [ النساء :  84 ] ،  ومخالفين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ""  الجهاد ماض إلى يوم القيامة ،  لا يبطله عدل عادل ولا جور جائر ،  وإذا أستنفرتم فأنفروا  "" ، ولكن هذه الفئــات المختلفة ،  منها من يريد الـنصر بغـير الله وما كان لها أن تنتصر .. ولو انتصر العرب في معركة 1967 ما عـبد الله في الأرض ، ولنسب النصر إلى البشر والزعامات وحكام المعصية ، وأحزاب الإلحاد ، ولكن الله كان رؤوفا بعباده ودينه فهزمهم شر هزيمة ،  ولم يهزمهم يهود ،  لكون يهود ممنوعين من النصر لأن النصر عزة والعزة ممنوعة على يهود ليوم الدين فما كان لهم أن ينتصروا (لن يضروكم إلا اذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) [ آل عمران :  111 ]  .

 والذي حدث في عام 1967 لم يحدث في تاريخ البشرية ، ثلاثة ملايين من البشر ( يغلبون ) (150) مليونا من العرب إنه لأمر يثير الدهشة والعجب ،  هنا أروي قصة :((  حدثت (الهزيمة) وأنا في بيروت في مهمة رسمية ،  حيث كنت مديرا لدار الأيتام في القدس ،  فذهبنا نشتري ورقا لمطبعة دار الأيتام من السوق الحرة في بيروت ،  وبعد ذلك حضرت إلى عمان ثالث يوم ( التسليم ) ،  وبينما أنا سائر في أحد شوارع عمان الرئيسة ،  التقيت بمدير المخابرات في ذلك الحين محمد رسول زيد الكيلاني فقال :" أنت قلت لأخي أبراهـيم في القدس قبـل أسبوع وأنـتم في الأقصى ، صل صـلاة مودع لهذا المسجد فإنك لن تعـود "، وكان الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني قد زارني في القدس ، وكان مسؤولا عن الأحاديث الدينية في الإذاعــة ،  فأراد أن يسجـل لي حديثــا ،  وكانت أجــواء الـحرب تسيطر على المنطقة ،  وكان عبد الناصر قد سحب البوليس الدولي من سيناء ،  تمهيدا لما حدث لإحتــلال بقية فلسطين وسينــاء كلها والجــولان .  فلما بدأ الشيخ إبراهيم في تسجيل الحديث ،  قلت له :"  يا شيخ إبراهيم ،  والله لا تنتصر هذه الأمـة لا على أيدي الثوريــين ولا على أيدي الرجعيـين ،  هي مهزومة لا محالة ،  لإنها أمة لا تحارب بعقيدتها ،  وقد أعلنت الحرب على ربها " ،  فقـال :" هذا كلام لا يمكن أن يذاع " .  فقلت :" سجله للتاريخ " .  فنزلنا إلى الأقصى فصلينا الظهر ،  ووضعت يدي على كتفــه فقلـت :"  يا شـيخ إبراهــيم صل صلاة مودع لهذا المسجد فإنك لن تعود " .  يذكر الشيخ إبراهيم هذه الحادثة بين الحين والحين في دروسه .  وكان قد أستولى علي شعور بأني أودع الأقصى ،  فكنت أرسمه في ذهني ،  أتطلع إلى معالمه وإلى جدرانه ،  وأقول في نفسي : " غدا سأذكر هذه وهذه . . وهذه " ،  فلما قابلني محمد رسول في أحد شوارع عمان بعد الهزيمة قال :"  أنت قلت لأخي الشيخ إبراهـيم صـل صـلاة مودع لهذا المسجد فإنك لن تعـود : ، قال لي :" كيف علمت ذلك ؟! " .. فقلت له بإنفعال :" والله لو نصرتم لكان القرآن من عند غير الله ،  كيف تنتصرون ؟ ولم تنتصرون !!؟ .  الحكومات إهترأت ،  والشعوب اهـترأت على أيديهـا ،  والمقدمات أعطت النتـائج ، والذي صار كان لا يمكن إلا أن يصير ،  وكنت أعرف أنكم مهزومون لا محالـة ،  ولكن الذي لم يدر في خلـدي ولا سجل في دفتري هو أنكم (ستهزمون) في ساعتين إثنتين فقط ،  لا في ست سنوات ،  ولا ستة أشهر ،  ولا ستة أيام ،  إذن الأيام الستة التي سميت بها هذه الحرب ،  هي من باب التضليل أيضا " .  ثم قلت له :"  إني غير يائس ،  وسيخرج الجوهر قريبــا من هذه الأمة ،  فتقاتل في سبيل الله ، لا في سبيل قومية أو إشتراكية ،  ولا رأسمالية ولا شرق ولا غرب ،  وعند ذلك سيأتي النصر "  .

 وأشاع محمد رسول الكلمــة في الأوساط السياسيــة ، بأني قلت لو انتصر العرب في هذه الحرب لكان القرآن من عند غير الله ، وجــاء الأمير سلطـان بن عبد الـعزيـز ، ليتفقد القوات السعودية ( المظفرة ) (التي احتلت معان والكرك) وأقام له السفــير السعودي في ذلك الوقت أحمد الكحيمي حفل عشاء ،  وكنت حاضرا لذلك الحفل ،  وكان في مجلســه في تلك الحفلـة عدد من السياسيين من بينهم وصفي التــل ،  فقـال وصفي التــل :" إن هنــاك شيخــا عندنا في الأردن يدعـى الشـيخ أسعد الـتميمي يقــول :"  لو نصر العرب في هـذه الـحرب لكان الـقرآن من عند غـير الله " ،  فقــال له السفـير الكحيمي :"  إنه موجود في الحفلة "،  وجاء وأخذني إلى مجلس الأمــير ،  فقــام وسلم وقــال الأمــير :"  كيف لو انتصر الـعرب لكان الـقرآن من عـند غير الله ؟!! " .  فقلت له :"  يا سيـدي إن القرآن وضــع شروطـا معينــة للنصر ،  لا تنطبق عليكم " .  فقــال الأمير :"  المسؤول عبد الناصر ؟ " ،  فقلت له :"  والله إني لأعرف عبد الناصر حقيقة المعرفة ،  ولكن ليس هو وحده المسؤول ، وكلكم مشتركون في الجريمة ،  ولكنه كبيركم الذي علمكم السحر " .. وكان في مجلس الأمير أيضا المشير حابس المجالي (قائد الجيش العربي) ، فألتفت إليه ووضعت يدي على رأسه وقلت :"أسألك بالصـلاة على الرسول هل أنتم أهل للنصر ؟ " ، فقال :"لا"،  فألتفت إلى الأمير وقلت هذا قائدهم " ))  .

 وكنت في الأقصى أحذر من النكبة في درس أسبوعي ،  وأحذر الأمــة من الذي سيحدث ، وخصوصا تحدي الله كان في أوجه ،  ففي المؤتمر الأول لمنظمــة التحـرير الذي عقـد في القدس سنة 1964 ،  وهم يضعون بما يسمى بالميثاق الفلسطيني ، قالوا إن المسؤولين عن تحرير فلسطين هم الفلسطينيون والعرب ، فقام واحد من المؤتمر وقال " أضيفوا المسلمين أيضا " ، فقــامت أصوات الحمير تنهق :" هذه رجعية "  وبعد نقاش حاد عرضوا الأمر على التصويت ،  فالذين يريدون المسلمين حصلوا على (151) صوتا ،  والذين لا يريدون المسلمين حصلوا على (162) صوتا ،  (فسقط الإسلام) حسب زعمهم على جبل الزيتون .  وأصابتني رعدة وأثارت أعصابي ،  وتمنيت أن يكون غدا الجمعة لأقول كلمتي في الأقصى ،  وكنت أهاجم المؤتمر والمؤتمرين في كل لحظة ،  لأنني تصورت غضب الله على هؤلاء القوم وأنهم سيشردون بقية أهل فلسطين في هذا القرار الكافر الجائر  .

 وجاء يوم الجمعة ،  فوقفت بعد الصلاة ، وكان مندوبوا الملوك والرؤساء قد جاءوا إلى الأقصى ليصلوا الصلاة التقليدية ، والتي تكون غالبا بغير وضوء ،  إذ أن الصلاة لا تليق بهؤلاء الذين صنعوا الهزائم والسخائم لأمتهم ،  وكان عدد هؤلاء المندوبين ثلاثة عشر مندوبا لا أكثر الله من عددهم ،  فوقفت في الأقصى بعد الصلاة أقول :(( ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، يا أخوتنا في الباكستان ، يا أخوتنا في أفغانستان ، يا أخوتنا في تركيا ، يا أخوتنا في نيجيريا .. أيها المسلمون في كل الأرض .. لا تؤاخذونا بما فعـل السفهــاء منا ، يا صلاح الدين وأنت الكردي ،  أطل من وراء القـرون لتر ما فعل الصبية على جبـل الزيتون ، لقد رقـص البـابا طربا على قـرار الصبيـة ليلـة أمس ، وأبشركم بذهاب البقية من (فلسطين) بسبب غضب الله ،  والتي لولا الإسلام لما كانت فلسطين عربية .  لكنه العمى أصاب العيون وأصم الآذان وأغلق القلوب وكما قال الله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ) [ البقرة :  7 ] )) .

 وكانت أيام فيها البلاء سيطر فيها الكفر ، ضلت الزعامة وضلت الشعوب إلا من رحـم ربك وقليـل ما هـم .. وكمـا قال الله تعالى ( ومن الناس من يقــول آمنــا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذيـن آمنوا وما يخدعون إلا أنفسـهم وما يشـعرون * في قلوبـهـم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ألـيم بما كانوا يكذبون * وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) [ البقرة : 8-12 ]  .

 فإن قلت للحكــام وأعوانهم ،  وللأحزاب الكافرة وكوادرها من مختلف الأسماء والمسميات ، لا تفسدوا في الأرض قالوا (إنما نحن مصلحـون) أجاعوا الأمة وهم (مصلحون) ! ..  أذلوا الأمة وهم (مصلحون) ! .. سلموا فلسطين وهم (مصلحـون) ! .. مزقوا الأمة وهـم (مصلحون) ! .. وعبدوا كل شيء إلا الله وهـم (مصلحون) !!!  .

 وقد روي في تفســير الآية عن سلمــان الفارسي - رضي الله عنه - " لم تنزل هذه الآية في المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم لم يكونوا يزعمون الإصلاح ، كانوا فقط يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، ولكنها نزلت في أقــوام من هذه الأمة يبطنــون الكفر ويزعمون الإصلاح سيأتون فيما بعد !! " .  وكأن هـذه الآيـة تعني الحكــام ، والزعامات ،  والكتاب والصحفيين (المفكرين) الذين ضاعت هذه الأمة وفلسطين على أيديهم  .

 لا أنسى تلك الليلة من آخر رمضان قضيناه في القدس شهر (12/1966) وقد أحيينا ليلة القدر في الأقصى ، وجلست إلى الناس أتحدث إليهم بعد صلاة التراويح ،  تكلمت عن الحركات السياسية والفكرية في المنطقة من الشيوعيين والبعثيين والعلمانيين إلى أن أتيت إلى الماسونية فقلت :" هي حركة يهودية سرية اقامها يهود بعد السبي البابلي ، وأدخلوا فيها الملـوك والأمراء والرؤساء والأغنياء ،  حتى يعملوا بواستطهم على إقامة دولة يهود ،  وقد أقاموها ،  وحتى يبنوا الهيكل مكان هذا المسجد ،  وبما أن أكثر حكام العالم العربي من الماسونيين فسيسلمون الأقصى ليس خيانة فقط ، ولكن سيسلمونه لأن عقيدتهم الماسونية تأمرهم بذلك " .  وهذا الكلام كان قبل تسليم الأقصى بخمسة أشهر ،  وبالفعل حين أخذ يهود بقية القدس وبقية فلسطين ،  أرسل محفل ماسوني في أمريكا رسالة إلى الشيخ المرحوم حلمي المحتسب ، وكان رئيسا للهيئة الإسلامية في القدس ، يعرض عليه أن يسمح المسلمون للماسونيين في بناء اليهكل في ساحات الأقصى مقابل (150) مليون دولارا دفعة أولى ، ودخل (15) مليون دولارا سنويا للأوقاف ، وقال رئيس المحفل الماسوني :"  إني قادم على الطريق لأفاوضكم بهذا الأمر " ، وبالفعل حضر هذا الماسوني ، فأفهمه الشيخ حلمي أنه ليس لأحد الحق في التصرف بالأقصى ، فهو للمسلمين جميعا ، وقال رئيس المحفل الماسوني للشيخ حلمي :" إن أردت موافقة بعض الحكام (العرب) أتيت لك بها "  .

 ولقد رأيـت بأم عيـني قائد الضفة الغربية في محافظة القـدس بيـده خاتم وعليه الشعار الماسوني (الفرجار والمثلث) .. وهكذا كان ، سلم الماسونيون الأقصى  .

 ونعود إلى أول الطريق ،  إلى قرون النصر ، ولنرى كيف تغلغل الإيمان في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا الإيمان الذي صنع المعجـزات والكرامات  .

  الغيب في معركة اليرمــــوك  :

 وهكذا سار الغيب مع المسلمين بعد رسول الله ، حتى كانت معركة اليرموك،  جمعت الدولة الرومانية ألف ألف جندي - أي مليون جندي - فيهم سبعة ملوك ،  ومن بينهم ملك الأرمن ،  وفيهم مائتا ألف من نصارى العرب - كما يقول الواقدي صاحب ( فتوح الشام ) - ،  وفي المقابل كان عدد جيش المسلمين ثلاثين ألفا من الموحدين ،  فأستنجد أبو عبيدة بالخليفة في المدينة ليرسل له مددا ،  فأرسل له الخليفة ستة ألاف من أهل اليمن  .

 ولا يستطيع أي عقــل مــادي أن يحـلل هــذه المعركــة بقياساته المادية البحتة ،  حيث أن عدد الجيوش وعدتها غير متكافئة ،  فجيش الإمبراطورية الرومانية ذات التاريخ العريق في الفنون العسكرية والتي هزمت قبل بضع سنين جيوش الإمبراطورية الفارسية ،  لا بد وأن لديهم من الأسلحة والتقنيات ما لا يعرفه العرب المسلمون الذين لا تاريخ عسكري عندهم ولا فنون ولا أسلحة إلا ما كان من السيف أو الرمح أو القوس أو النشاب  .

 ويقول أحد جنود المسلمين :" ما أكثر الروم وأقل المسلمين " ، فيجيبه خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ( الذي جاء حديثا من العراق على رأس خمسمائة جندي ، إجتاز بهم بادية الشام برعاية الله ، حتى إذا ما وصلوا الأزرق وكان الماء قد نفد منهم ، فقال الدليـل إبحثوا عن أصل شجرة في هذا المكان ،  فإن الماء عندها ، فبحثوا طويلا حتى كادوا أن ييأسوا ،  وأخيرا وجدوها ووجدوا الماء عندها ، شربوا وشربت جمالهم ، وأنفكت أزمتهم ) .  قال خالد لهذا الجندي الذي رأى الروم على كثرتهم :" بل ما أقل الروم وما أكثر المسلمين ، إنما تقل الجند بالهزيمة وتكثر بالنصر " ، وأختار خالد ستين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسمائهم ، ممن حضروا بدرا وأحدا والغزوات والمواقع جميعها وممن ترضى الله عنهم بقرآنه وممن بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنة عرضها السماوات والأرض وممن لا يرد دعائهم ،  فيخوض بهؤلاء الستين المعركـة ، فيخترق جيـوش الروم . ويغيبون طويلا فيشفق أبو عبيدة - رضي الله عنه - عليهم ويقول :" أهلك خالد أصحاب رسول الله " ، ولكنه لا يلبث حتى يعود خالد والصحابة ، فماذا كانت النتيجة ؟؟ . .  قتل من الروم مائتا ألف ، وغرق في النهر مائة ألف أخرى . وفتحت هذه المعركة التي إنتهت بها الدولة الرومانية كدولة عسكرية عظمى الأبواب لفتح فلسطين وكل بلاد الشام ،  ومصر وشمال أفريقيا وحتى بلاد الأندلس  . 

وكان من نتائجها أن يجتاز طارق بن زياد الممر ( الذي سمي باسمه بين ضفتي أفريقيا وأوروبا ) إلى إسبانيــا بأربعـة ألاف جندي موحد ،  فيفتح إسبانيا ويستمر حكم المسلمين لها ثمانية قرون ،  حتى أهلك المسلمين الترف ،  وعادوا قبائل ، بعد أن وحدهم الإسلام ،  كان لا بد من سنة الله أن تأخذ فيهم مداها ، فنكصـوا على أعقابهم خاسرين ، بعد أن فتحوا عقول أوروبا وخلصوها من الخرافة ،  لأن سنن الله في الكون لا يخرقها الله إلا لعباده المؤمنين ،  فإذا تسـاووا مع عدوهم في المعصيـة ، كانت الغلبة لمن هو أكـثر عـددا وعدة وقوة ووحدة ولو كانوا غير مسلمين .  إذ بفرقتهم وإختلافهم وترفهم وفجورهم عصوا الله وخالفوا أمر الله ( وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) [ آل عمران : 103 ] .. فلما خالفوا هذه القاعدة القرآنية ، غضب الله عليهم ، فخرجوا من الأندلس مذمومين مدحورين .. ولكن إلى حين  .

-   الغيب في فتح مصر  :

 ويقنع عمرو بن العاص ،  عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - بفتح مصر ،  فيأذن له عمر ،  فيسير بأربعـة ألاف جندي ،  فلما وصل مصر أبطــأ عليه الفتح ،  فأستنجـد بعمر ، فأمـده بأربعة ألاف ( تمام ثمانية ألاف ) على كل ألف رجل منهم رجل يعد بألف رجل ،  وكتب إليه : " إني أمددتك بأربعة ألاف رجل على كل ألف رجل رجل ، الرجل منهم بمقام ألف رجل  : الزبير بن العوام ، والمقداد بن عـمرو ، وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد ، وأعلم أن معـك إثني عشر ألفـا ولا تغلب اثنــا عشر ألفا من قلـة "  .

 ليست قوتهم في القوة الجسدية فقط ، إنهم بشر كالبشر ، وفي البشر من هو أقوى منهم ومن هو أضعف ، لكن قوتهم مستمدة من الغيب . فهم من كبار أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم ، تتلمذوا في مدرسة الوحي وهم من أهل بدر الذين أنجدتهم الملائكة ، وحضروا معارك رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  وقوتهم روحية بالإضافة إلى القوة الجسدية ،  إذا دعوا إستجاب لهم الله .  ولذلك كان قواد جيوش الفتح حريصيين على أن يكون بين صفوفهم رجال ممن حضروا معركة بدر ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في أهل بدر :"" لعــل الله تجلى على أهل بدر يوم بدر فقــال : افعلــوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم "" . 

وكلما إرتقى القائد أو الجندي المسلم بأشواقه الروحية وقربه من الله في تـلاوة للقرآن وذكر دائم وإستغاثة مستمرة ،  لا يأخذه الــغرور من عـدد الجيش وعدتـه ،  وإنما يعلم أن الــنصر من عند الله ،  لذا هو يسجد بين يدي الله في الليل والنهار ،  ويستمطر رحمة الله ،  وكان هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه معه ومن بعده  .

 فلما حاولت الأمة أو بعض قادة الأمة أن يعتمدوا على شعاراتهم وكذبهم وخداعهم ،  وعلى أن تستمد الأمة قوتها من حزبها الذي أسس من أول يوم على غير تقـوى من الله ،  دينه الإلحاد ،  وحقيقته الكذب والخداع ،  واعضاء الحزب يتربص بعضهم ببعض الدوائر،  كل يريد أن يطيح بصاحبه ليحل محله ،  كان لا بد أن يهزموا ( هذا إن هزموا )  فكيـف بهم وقد نفذوا مخططات عدوهم وهزموا أمتهم بغير هزيمة،  وسلموا الأرض لعدوهم بغير قتال ،  إلا في الإذاعــات وترديد الشعارات ،  هذا كله درس لنا ،  إننا إذا لم نلجأ إلى الله في المعركة ،  سنصاب بالهــلاك والبــوار ،  ولكن كل ذلك إلى حين .  وقد بدأت الأمة في الصعود بعد النزول إلى الحضيض ، لأنه يبدو من الإستقراء التاريخي أن الأرض المباركة لها (رسالة) ، تصل الأمة إلى الحضيض يوم سقوط فلسطين بما فيها القدس والأقصى في أيدي الكفار ،  فتكون الأمة في منتهى إنحطاطها متفرقة ، ممزقة الأوصال لا يجمعها الإسلام ، تكون فيها الإمارات والمشيخات والحارات فيطمع بها عدوها . عندها تبدأ الأمة في حركة الصعود ،  لأن سقوط القدس والأقـصى يهزها من أعماقهـا ، فتنقشع الغشاوة عن أعينها ،  ويتفتت الرين عن قلوبها ، وتأخذ في الصعود حتى تبلغ ذرى المجد مرة أخرى  . 

 وهكذا كان في الحروب الصليبية ، وفي حروب التتر وهو الآن في الحرب الصليبية اليهوديـة ، فبعد خيـانة (67) أصاب الأمـة جمود فكري وسياسي ،  وأصبحت تعيش في فراغ عقائدي ،  بعد أن إنكشفت عفونة الفكر الوافد (المستورد) ولكن بعد بضع سنين أخذت الأمة تتحرك ببطىء ،  والإسـلام يسري في عروقها وشبابها ،  بعد أن رأت أنها خدعت طويلا بالزعامة والزعيم وبالأحزاب وبحكام الهزيمة والسخيمة  .

 وبدأ في المجتمـع سريـان بطيء للصحوة الإسلامية ،  وكان لا يراها في عقد السبعينيات إلا من يهتم بها ، فالمساجد بدأ يرتادها الشباب بأعداد كبيرة ،  والجامعات والمدارس بدأ تحول فكري فيها ، وكنت أراقب بتتبع وأقـول لأصحابي وتلاميــذي :" إن أمـرا في الأرض يجـري ، هـو العودة إلى الله " ، وهكذا بدأ الإسلام ينتشر ، والصحوة تتصاعد في الطبقات المثقفة من المجتمع ، أساتذة الجامعات ، وخريجي الجامعات من مختلف التخصصات وخصوصا التخصصات العلمية من خريجي الغرب وأمريكا ، فأصدر كارتر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الحين أمرا في أواخر السبعينيـات بعد الـثورة الإيرانيـة للمخابرات الأمريكية أن تدرس هذه الصحوة الإسلامية ولو على مستوى إمام مسجد في حي  .

 واليوم يتفجر العالم الإسلامي بالصحوة والخير قادم ودولة الإسلام آتية ،  والإسلام الذي فتح مصر يعود اليوم كأقوى ما يكون ،  فتوة وإنبعاثا واستشهادا وسيصل الأمر مـداه ويسقط عملاء أمريكا ويهـود للمكان اللائق بهم في مزبلة التاريخ  .

 ولما أبطأ عمرو بن العاص في فتح مصر ، استغرب عمر بن الخطاب،  لأن جيوش الإسلام منذ عهـد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عهد عمر والخلفــاء الراشدين والأمويين وفي كل عصور التاريخ ، لا تعرف الإبطاء في الفتح ،  لأنها لا تعتمد على قوتها المادية ، وهم جند الله يقاتلــون في سبيل الله ،  لرفـع كلمة الله ،  ولتطهير البشرية من عبادة غير الله ،  فلا يمكن أن يبطأ عليهم الفتح ،  إذن لا بد من سبب يؤخر الفـتح ،  فيكتب عمر هذه الرسالة إلى عمرو :( أما بعد ،  فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر ،  تقاتلونهم منذ سنين ،  وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم ،  وإن الله تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم ،  وقد كنت وجهت إليك أربعــة نفر وأعلمتـك أن الرجــل منهم مقام ألــف رجل على ما كنت أعرف ،  إلا أن يكون غيرهم ما غيرهم ،  فإذا أتاك كتابي فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم في الصبر والنية ،  وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس ،  مر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد ،  وليكن ذلــك عند الــزوال يــوم الجمعــة ، فإنهـا ساعــة تــنزل الرحمـة فيهـا ووقــت الإجابــة ، وليعج الناس إلى الله ويسألوه النصر على عدوهم  ) [ منتخب كنز العمال 2 : 183 ]  .

 ونفهم من الرسالة مقاصد عمر ،  أن النصر بيد الله ،  إن الله لا يخذل قوما خرجوا في سبيله إبتغاء مرضاته ،  فإذا تغيرت النية من خروج لأجل الدنيا بدلا من الآخرة عند ذلك يبطيء النصر ،  ونلاحظ هنــا أنه يتكلم عن الأربعــة الذين أرسلهم لنجـدة عمرو ،  وجعل الواحد منهم بألف ،  لأنهم جميعــا من أهل بدر .  فيخشى عليهم عمر أن يكونوا قد غيروا النوايا ،  وأصبح خروجهم لأجل الدنيا ،  وفي الرسالة يبين لنا عمر أن هنــاك ساعات يستجاب فيهـا الدعاء أكـثر من غيرها ومنها وقـت زوال الشمس يوم الجمعـة  .

 وبالفعـل نفذ عمرو وصيـة أمير المؤمنين ، وفتحت مصر لتكون حبة العقد في العالم العربي والإسلامي عبر التاريخ ،  وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر بفتحها ،  وقال :"" ستفتح عليكم مصـر ، فأستوصوا بأهلها خيرا ، فإن لكم فهيا نسبا وصهرا "" إذ أن ( ماريا القبطية ) أم إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مصر ، وكذلك (هاجر) جدة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى أم إسماعيل عليه السلام وزوجة إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من مصر  .

 

وفي حديث آخر عن مصر يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :""إذا فتحت عليكم مصر فأتخـذوا منها جندا كثيفا ، فإنهم خير جند الأرض "" . لذلك حينما ( كبر ) جند مصر يوم اقتحام قناة السويس وخط بارليف في معركة (1973) كانوا يمثلون روح الجندية الإسلامية ،  وإستبسال الجندي المصري ،  الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه خير جند الأرض  .

وها هي مصر مرة أخرى تعود لتحمل الإسلام وتقود المعركة في تحطيم الأصنام والعمل فيما أمر الله والإبتعاد عما نهى ،  يتغلغل الإســلام في كل شرائح المجتمع الـمصري ،  وكلما إرتفعت الشريحة ثقافة وعلما وفكرا كلما كان الإسلام فيها أوضح وأعمق  .

 لذلك فلننتظر دور مصر المأمول وجندها خير جند الأرض في أن تعود لتحرر فلسطين بعد أن تتحد مع الشام ،  لأن إتحاد مصر والشام دائما هو الذي يحرر الأقصى والقدس وفلسطين من الغزو الكافر  .

 -   الغيب في معركة القادسية  :

 وفي نفس الوقت يرسل أبو بكر الجيوش لفتح العراق وفارس ، ويعين المثنى بن الحارثة قائدا لهذه الجيوش ،  ويبدأ الفتح ،  ويستشهد المثنى ،  وينتقل أبو بكر - رضي الله عنه - إلى الرفيق الأعلى ،  ويتولى الأمر عمر ،  ويولي القيادة مكان المثنى إلى سعد بن أبي وقاص ( أحد العشرة المبشرين بالجنة ،  وخال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأول من رمى بسهم في الإسلام ،  وأول من فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبيه وأمه وهو يقول له يوم أحد : "" ارم سعد فداك أبي وأمي "" ، وهو الذي كان يفتخر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : "" هذا سعد خالي فليرني أمرؤ خاله "" وهو من أخواله وليس شقيقا لأمه ) .  ويسير سعد من نصر إلى نصر ،  حتى إذا كانت القادسية ،  وتتكرر العملية في القادسية كما كانت في اليرموك . 

ثلاثون ألفـا يقابلـون مائتي ألف ،  مع جيش إمبراطوري مدرب ،  وتاريخ عسكري عريق ،  سيطر فيه الفرس على نصف الدنيا .  ويجتاز جيش المسلمين نهر دجلة على الخيل ،  وكان سعد على فرس وبجانبه سلمان الفارسي على فــرس أخرى ،  فقـال سعد - رضي الله عنه - :" لقد ذلل الله لهـؤلاء البحر كما ذلل لهم البر "، فيجيبــه سلمان - رضي الله عنه - فاهما السر في النصر :" مالم يعصوا "!! .

 وقبل أن تبدأ القادسيـة بدأت الرسل بين سعد ورستم ، قائد جيـوش الفرس .  فيرسل إليه سعد القائد ربعي بن عامر ،  فيدخل على رستم ،  ورستم في أبهة الملك وزخرف الدنيا ،  وسجاده الذي لم يعرفه العرب ،  فلا يملأ ذلك عيني ربعي بن عامر ، ويدخل على مجلسه ويضرب السجاد برمحه ويبدأ بينهما حوار ،  وصورة العرب عند رستم أنهم جياع عراة صعاليك ،  لا بد أن الجوع جاء بهم ،  وأن اللباس الفاخر دفعهم لهذه المجازفة  .

 فيقول لربعي بن عامر :"  إن كانت بلادكم في قحط ،  فنحن على استعداد أن نعطي كل جندي عندكم ما يشبعه ،  ونحظي قائدكـم بالشيء الكثير ،  فلا يصيبنكم الغرور " ،  لأنكم تواجهون إمبراطورية لها تاريخ في العسكرية ،  وممارسة قهر الشعوب ،  لأننــا نعرفكم في جميع الأحوال ومنها حال جوعكم وعريكم ،  فأرجعوا خيرا لـكم  .

 فيجيبه ربعي بن عامر :"  كنا كما قلت وأسوأ ،  حتى جاءنا نبي منا ،  لنا وللبشرية كلها ،  أمرنا أن نخرج من عبادة العباد والأوثان إلى عبادة الله ،  وأن نخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ،  فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينــا ،  ونترك فيكم من يعلمكم الإسلام ،  وإلا فالحكم بيننا للسيف " . .  وهكذا كان ،  وتنهار الإمبراطورية الفارسية  .

 وكان رسـول الله صلى الله عليـه وسلم يوم أن ولد ، اهتز إيوان كسرى في المدائن ، وأطفئت نيران معابدهم (بعد أن بقيت مشتعلة لمدة ألف عام) وهذا إرهاص لهم بأن في الدنيا حدثا جديدا ، ستتغير الدنيا فيما بعد يوم رسالته ،  ويوم أن بعث صلى الله عليه وسلم الرسالة إلى كسرى ومزق كسرى الرسالة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"" مزق الله ملكه ، لا كسرى بعد اليوم "" ..  وفتحت القادسية بلاد المشرق حتى الهند وأسوار الصين  .

 ويسير المسلمون من غلب إلى غلب ،  ومن فتح إلى فتح ،  ويدخل الناس في دين الله أفواجا ،  ولكن بعد فترة زمنية يتسرب إلى الإسلام فلسفات لا يعرفها ،  وأفكـار يرفضها نتيجة للخطأ الكبير الذي إرتكبه أبو عبدالله المأمون الخليفـة العباسي ، حين أمر بترجمة الفلسفات الغير إسلامية ، الفلسفات الهندية ، والفارسية ،  واليونانية ،  والرومانية ،  والنصرانية واليهودية ،  مما سبب انحرافا في الفكر الإسلامي  .

 وكانت الدولة العباسية قد أخذت موقـف الدفـاع عن الدولة الإسلاميـة الكبيرة ( إلا قليلا من الهجوم )  التي فتحها الصحابة والأمويـون ،  بــدلا من الجهاد ومبــادرة الهجوم في نشر الإسلام في العباد والبلاد ،  وهذا نتيجة للترف الفكري ، والترف المادي ،  الذي انغمست فيه الدولة العباسية ،  مما أضعف روح الجهاد وروح التحدي والإستشهاد .  فمن المعروف بداهة وتاريخيا ،  أن الفرد إذا فقد روح التحدي مات ،  وأن الجماعة إذا فقدت روح التحدي ماتت ،  وأن الدولة إذا فقدت روح التحـدي ماتت ،  ولو قبل الرسول صلى الله عليه وسلم نصيحة عمه ،  يوم أن جاءت قريش تشتكي النبي صلى الله عليه وسلم تتهــدد وتتوعــد ،  فيشفق عمه على نفسه وعلى ابن أخيـه ويقـول له : يا أبن أخي :" لا طاقة لنا بقتال العرب كلها ".. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقبل التحدي فيقول  : ""والله يا عماه ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه "" .. ويمضي الرسول صلى الله عليه وسلم باكيا فيشفق عليه عمه ويقول له : " إرجع يا أبن أخي لن أسلمك أبدا " ، وكانت قريش قبل ذلك عرضت عليه الملك والمال والنساء ومغريات الدنيا كلها .  وكانت نتيجة هذا التحدي إنتشار الإسلام وهزيمة قريش وإقتلاع الإمبراطوريات وبقاء هذا الدين إلى يوم القيامة ،  يدخل أتباعه الجنة ويدخل أعداءه النــار  .

 - الغيب في الحروب الصليبية 

ويفقد المسلمون هذه الروح ( روح التحدي ) ،  يضعف الفكر الإسلامي الصافي في النصف الثاني من الدولة العباسية ،  ويغوص الناس في وحل الفلسفات التي لم يعرفها المسلمون الأوائل ( لا الصحابة ،  ولا التابعون ) وتبدأ الدولة الإسلامية ، بالتمزق ،  وتذهب الأندلس ،  وتنشأ شبه أقاليم مستقلة في الدولة الإسلامية الواحدة ،  ويفقد المسلمون الإبداع ( الرؤيا بنور الله ) ويأتي التتر بهمجيتهم وبداوتهم فيحتلون بغداد ،  ولأنهم ضد العلم وضد النور ،  فيدمرون مكتبات بغداد الكبرى ،  ويرمون الكتب في نهر دجلة ،  فيتحــول لــون النهر إلى لون الحبر ،  الذي نزل من الأحــرف التي كتبـت بهـا الكتـب .  في هذا الجـو جـاء الصليبيون ليخلصوا قـبر المســـيح - كمـا يزعمــون - من الوثنين يعنــون بذلـك المسلمـين - قاتلهم الله - ،  وهذا تناقـض في عقـيدتهـم ،  ( فربهم موضـوع في قــبر ؟!!!) أي رب هذا الذي يموت ويوضع في قبر ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) [ الكهف :  5 ] ،  ( قاتلهم الله أنى يؤفكون )  .

 ونتيجة للظلام الذي كانت تعيش به الأمة ،  والإنحراف الذي بدأ على حكامها وعامـة المسلمين ،  إستطاع الصليبيون أن يأخذوا كـل فلسطـين ولبنــان حتى الإسكندرونــة ،  وفي الجنوب امتدوا حتى الكرك والشوبك ،  وأصبح قسم كبير من ديار الشام تحت قبضة الصليبيين  .

 ولما دخل الصليبيون القدس ،  قتلوا سبعين ألف مسلم في يوم واحد ،  وغاصت خيولهم في دماء المسلمين إلى الركب .  وأستمر إحتلال الصليبيين للقدس ما يقرب من تسعين سنة ،  وأستمرت الحروب الصليبية مائتي سنة ،  ولقد حاول الصليبيون مرارا أن يحتلوا مصر ،  قلب العالم الإسلامي العربي النابض .  وكان يحكم مصر في أواخر الدولة الفاطميــة الباطنيـة وزير يسمى شاور،  الذي تحالف مع الصليبيين ضد صلاح الدين ،  كما فعل السادات ومبارك حذو النعل بالنعل ،  وأيضا كما تحالف فهد وحكام الخليج حينما تحالفوا مع الكفر بقيادة أمريكا الصليبية وأوروبا الصليبية الحاقدة ،  بالإضافة إلى الأسد ومبارك في حرب الخليج ضد الأمة ( قاتلهم الله أنى يؤفكون )  .

 ولكن الله كان رحيما بهذه الأمة وهو دوما بها رحيم ، فجاء نور الدين زنكي - رضي الله عنه - ، فبدأ يوحد الإمارات المتنافرة في سوريا والـعراق ، فلما وحدها توفاه الله ، وانتقلت الراية إلى صلاح الدين الأيوبي -رضي الله عنه-،  فأكمل توحيد أجزاء الأمة وخصوصا مصر والشام ، لأن مصر والشام قطبـا الرحا في بـلاد العرب والمسلمين ، وقضى صلاح الدين على بقية الدولة الفاطمية في مصر وقتل شاور ، بعد ذلك حدثت معركة حطين في شمال فلسطين ،  والتقـى جيش المسلمين بستة وعشرين جيشا للصليبيين ، فهزمهم الجيش الإسلامي ،  فسئل صلاح الدين :"  كيف هزمت ستا وعشرين جيشا ؟ " فأخرج القرآن وقال :" قاتلت من أجل رب هذا الكتاب ، فنصرني رب هذا الكتاب " .

 ويدخل صلاح الدين القدس في رجب ،  وعاد المسجد الأقصى إلى طهره وقدسيته ،  بعد أن دنسه الصليبيون ما يقرب من تسعين سنة .  ثم أتم تطهير فلسطين وبلاد الشام والمنطقة كلها من الصليبيين الظاهر بيبرس - رضي الله عنه - وعادت هذه الأرض عربية إسلامية قرآنية موحدة وأخذ الغيب يعمل عمله  .

 ولما عادت أوروبا منهزمة بعد حروب مريرة ،  إستمرت قرنين من الزمن كلفتها ملايين الرجال والنساء ومالا يحصى من الأمــوال ، عادت تفكر في الذي سبب لها الهزيمــة ، فعرفت أن السر في الإسلام ،  الذي يجعل الجهاد ذروة سنامه ، والـذي كـاد يحرم الجنة إلا على المجاهدين ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنـة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنـوا معـه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريـب ) [ البقرة : 214 ] .. (أم حسبتم أن تدخلـوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكــم ويعلـم الصابرين) [ آل عمران : 142 ] . . هذا الدين الذي يجعل الشهادة هي الحياة بعينها ،  ويرفض بل يحرم أن يقال للشهيد ميت ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكـن لا تشعرون ) [ البقرة : 154 ] ،  ويقـول الرسول صلى الله عليه وسلم :"" جعل الله للشهداء في الجنة مائة درجة ،  بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض ،  وإن أوسطها الفردوس - أي خيرها وأحسنها - فاسألوا الله الفردوس "" ، وإن الله يعطي الشهيد خمسا لا يعطيها لغيره  :

 -     يغفر له مع أول قطرة تنزل من دمه  .

-     يأمن من عذاب القبر ،  ومن الفتن  .

-     يلبس تاج الفخار ،  الجوهرة فيه تساوي الدنيا وما فيها .

-     يزوج بسبعين من الحور العين  .

-     ويشفع في سبعين من أهله  .

-   الغيب في الدولة العثمانية

 وكان المسلمون قد دخلوا في ظل الدولة العثمانية ،  وحملت الدولة العثمانية الإسلام بغير لغته ،  وفتح محمد الفاتح القسطنطينية ،  وهنا يصدق الغيب مرة أخرى وتشمله دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال :""  تفتح عليكم القسطنطينية ،  نعم الأمير أميرها ،  ونعم الجيش ذلك الجيش ""  .

 حينما هجم محمد الفاتح على القسطنطينية الهجوم الأخير ،  وكان قد هاجمها عدة مرات ،  ولم يفلح في اختراق حصونها ،  وكان معه أستــاذه ،  أحد العلمــاء الأفاضل ،  فأشار عليه أن يلجأ إلى الغيب ليرضي الله سبحانه وتعالى .  فيأمر الجيش أن يصوم ثلاثة أيام وأن يتلوا القرآن فيها ،  حتى إذا كان يوم الهجوم أمرهم بالاغتسال والتطهر .  بعد ذلك بدأ بالهجوم ، ففتحت القسطنطينية ، فسجد محمد الفاتح على الطين في شوارعها ، خوفا من أن يصيبه الغرور ، بعد أن أصابته بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه نعم الأمـير ،  وجيشه نعم الجيش ، وتضطرب أوروبا ويضطرب العالم الكافـر ، فيرسل البابا رسولا إلى محمد الفاتـح ، ويعرض عليه أن يتنصر وهــو على استعـداد ليعطيــه كل أوروبــا ،  لكنـه - رضي الله عنه - لم يأبه لهذا وسارت جيوشه تفتح أوروبا حتى وقفت من بعده على أبواب فيينــا  .

 وقد صدق الغيب مع محمد الفاتح بعد خمسمائة سنة من الإسلام ،  فيصدق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ..  وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب على قبره .  ولقد شعرت براحة نفسية عجيبة حين زرته  .

 ولأن الدولة العثمانية جعلت اللغة التركية هي لغة الدولة ،  ولم تجعل اللغة العربية التي هي لغة القرآن والإسلام بدلا منها ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ) [ يوسف : 2 ] ..  والآيات كثيرة في هذا الموضوع ،  إذ أن الإسلام لا يفهم إلا بلغته ،  فلا يمكنك أن تستنبط الأحكام من القرآن والسنة إلا إذا كنت عالما باللغة العربية وأسرارها ،  والحقيقة والمجاز والناسخ والمنسوخ ،  ولذلك في العصر التركي على عظمة ما قامت به الدولة الإسلامية العثمانية جمد العقل المسلم ،  وأٌقفل باب الإجتهاد ،  وسيطر على المسلمين الخرافة والصراع المذهبي ،  حتى وصل الأمر عند بعض ( العلماء ) أن يقولوا هل يجوز الشافعية أن تتزوجع من الحنفي أو بالعكس !!! .

 فخططت أوروبا بصبر وطول أناة لتعمل على نزع المسلمين من الإسلام ،  أو نزع الإسلام من المسلمين .  لم تلجأ إلى الحروب ،  لأنها خسرت في الحروب مع المسلمين ، فلجأت إلى المدارس ،  والمعاهد ،  والجامعات ،  والنوادي والجمعيات  .

 في هذا الوقت كانت النهضة الأوروبية المادية ،  والتقدم الصناعي المذهل ،  فأثر ذلك في نفوس الشباب المتعلم ، الذي تخرج من جامعات الغرب ،  فعزوا هذا التأخر الصناعي في المسلمين إلى الإسلام ظلما وعدوانا ،  وكانت الدولة العثمانية (الرجل المريـض) ، ينهشها الغرب من كل ناحية ، وكان السلطـان عبد الحميـد - رحمه الله - يقاوم وحده بما أوتي من الدهاء والمراوغة حتى تغلبوا عليه فعزلوه ،  تعاون في عزله القوميون الأتراك ،  والقوميون العرب ،  والماسونيون ،  والعلمانيون ،  ويهود والنصارى .  وكان لا بد من عزل عبد الحميد - رحمه الله - حتى يصدق الغيب في إقامة دولة ليهود ،  لأن عزله كان اللبنة الأولى في إقامة دولة إسرائيل  .

 إذ أن يهود فاوضوه قبل ذلك بعدة سنوات ،  حتى يعطيهم امتيــازات في فلسطين ،  وقد عرضوا عليه في آخر الأمر أن يسددوا ديون الدولة العثمانية ،  وأن يصلحوا الأسطول العثماني وأن يدفعوا له شخصيا مائة وخمسين مليون دينارا ذهبا ،  وقد أرسل يهود له رجلا من زعمائهم يقال له (قارصو) ،  فلما عرض الأمر على السلطان عبد الحميد ،  طرده من مجلسه شر طردة ،  وقال لرئيس ديوانه من أدخل علي هذا الخنزير ،  وكان عبد الحميد قد أفهم اليهودي أن الأرض المباركة ليست ملكا له ،  وأنما هي ملك لكل المسلمين في الأرض ،  وأن حفنة تراب منها تساوي أموال يهود التي في العالم  .

فهـل سمعتم بهذا يامن تفاوضون يهود على فلسطين الآن ، وتريدون أن تتنازلوا عنها ليهـود (بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) [ البقرة : 93 ]  .

 وقامت الحرب العالميــة الأولى ،  وقضي على الدولة العثمانيـة ،  وكان يجب القضاء عليها حسب الشريعة الإسلامية إذ لم تعد دولة إسلامية بعد عزل السلطان عبد الحميد ،  استولى عليها العلمانيون والقوميون والطورانيون ،  فأرادوا تتريك الشعوب الإسلامية ،  وحاربوا كل من له علاقة بالحضارة الإسلامية أو اللغة العربية  .

وكانت هزيمة الدولة العثمانية أول الطريق لإقامة دولة يهود ،  وقد غاب الإسلام عن الساحة ،  فلم يبق منه إلا رسوم وذكريات باهتة ،  وأباطيل وخرافات نسبوها إلى الإسلام  .

 وقسمت بلاد المسلمين ، وقسمت بلاد الشام بين فرنسا وبريطانيا فيما يسمى بمعاهدة " سايكس بيكو "،  فأخذت بريطانيا فلسطين وشرق الأردن والعراق ،  وكانت مصر معها قبل ذلك ،  وأخذت فرنسا سوريا ولبنان ،  وسيطر الفكر الكافر في كل مناحي الحياة ،  وحورب الإسلام باسم التقدم واللحــاق بالغرب . . ومن العجيب أن الذين حملوا هذه الأفكار " فكر ترك الإسلام من أجل أن نلحق بالغرب " لا يزالون يستوردون الأحذية من الغرب ،  وأتفه الأشياء ،  فكيف بالصناعات الثقيلة ،  وهم أنفقوا جيمع أموال الأمة على شراء أسلحة الغرب ،  لا ليحاربوا !!؟ ولكـن ليسـاعدوا الغـرب في حـل أزمـاته الاقتصــادية ،  وكذلك فعلـوا مع الشــرق ( الاتحاد السوفياتي سابقا )  .

 

وأعطت عصبة الأمم المتحدة الإنتداب على فلسطين وشرق الأردن إلى بريطـانيـا ، وكانـت بريطانيا قد أصـدرت وعدا لليهـود (وعد بلفور) في (2/11/ 1917) بإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين ، والحرب الكونية دائرة .  وقد كشفت روسيا هذا الوعد " وعد بلفور " للعالم حينمــا نجحت الثــورة البلشفيــة وأستولى الشيوعيون على الحكم عام  1917 ،  لكن العرب مضوا في تصديق الحلفاء والعمل لصالح الحلفاء مخالفين بذلك القرآن ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليـاء من دون المؤمنين ) [ آل عمران :  28 ]  .

 وأنتهت الحرب بانتصار الحلفاء .  فمزقوا الدولة العثمانية شر ممزق ،  وعينت بريطانيا أول مندوب سام لها في فلسطين يهودي ، أسمه ( هربرت صمائيول ) ،  ومكث مندوبا في فلسطين مدة ست سنوات ،  وضع فيها القوانـين والأنظمـة تمهيدا لقيام دولة إسرائيل ،  وكانت قوانينه كلها تعمل لهدم العرب في بـلادهم ،  وإنتزاع أرضهم منهم  .

 وثار الشعب الفلسطيني على قلة عدته عدة ثورات متلاحقـة عام (1921-1929-1933-1936 إلى 1939) ثم قامت الحرب الكونية الثانيـة ،  ولم تستطع بريطانيا ولا يهود أن يأخذوا فلسطين من أهلها ،  فخرجت بريطانيا (عـدوة المسلمين الأولى) على العرب بفكرة إنشاء (الجامعة العربية) عام 1945 لتتولى الجامعة العربية تسليم فلسطين ،  وتثبيت التجزئة بين العرب  .

وسلمت الجامعة العربية ثلثي فلسطين عام 1948 ،  وسلمت الباقي عام 1967 ،  ولكن هل إنتهى الأمر ؟  وكيف سينتهي ؟ والغيب يقـول قامت دولة إسرائيــل لفــترة محدودة ،  وقامت لتزول ،  لكنــه عذاب الله المفروض على يهـود إلى يوم الدين ( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيـامة من يسومهم سـوء العــذاب ) [ الأعراف : 167 ] ..  فالبرغم من أن ليهود دولة أو شبه دولة ،  وقد أعطاها الكفر جميع أنواع الأسلحــة ،  حتى القنبلة النووية ،  فهل تعيش بأمن وطمأنينة ؟! إن واقعها يقول ،  آن آوان الأفول ،  ويستمر الغرب الصليبي في تثبيت دولة إسرائيل ،  فيصدر قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين إلى عربيــة ويهودية ،  ويقاوم الفلسطينيون ،  وتتدخل الجامعة العربية لتأدية رسالتها والتي من أجلها أسست .  وكانت تتألف من سبع دول عربية - لا بارك الله في عددهم ولا فيهم - وأقام الحكام التقليديون دولة يهود ، وكان الذي يسير الجامعة العربية في ذلك الحين رجل المخابرات البريطاني الـمشهور (كلايتون) ، وحينمـا دخلت الجامعة العربية فلسطين لتحررها بل قل لتسلمها منعت الفلسطينيين من الجهاد ، بحجة أن الجيوش ستحارب ، ولم يكن يهود في ذلك الحين يملكون أسلحة لا متطورة ولا تقليدية بكميات وافرة ، وكان من السهل القضاء عليها في مهدها ، ولكنها حب الدنيا وكراهية الموت ، وحب الألقاب الضخمة كانت تستولي على عقول هؤلاء الحكام .

 ألقاب مملكة في غير موضعها      كالقط يحكي إنتفاخا صولة الأسد

 ويقفـز إلى الحكم الثوريون في انقلاباتهم المتتالية في عالمنا العربي ،  وجميعهم أعلنوا في بيانهم رقـم (1) شتم الاستعمار والإمبريالية ،  ويتوعدون ويتهددون وأنهم جاءوا لتحرير فلسطين .  فظلموا الشعوب وعذبوا البشر ،  وقتلوا النفس ، وهتكوا العرض ، وأخافوا الأطفال والنساء والرجال ، وجوعوا الناس أجمعين كل ذلك باسم فلسطين . ولقد طبقت أمريكا على أيديهم الاشتراكية،  التي لا تعني في حقيقتهــا إلا التســاوي في الظلم ،  والتساوي في هدر الكرامة ،  وقتل كل كريم وقتل كل موحد وكل مفكر  .

 وأذكر في هذه المناسبة حينما حكم عبد الناصر على المرحوم (سيد قطب) بالإعدام ، وقفت في الأقصى بعد صلاة الجمعة كعادتي في ذلك الحين ،  قلت له لا تعدمه ، وحذرته من ذلك ،  لكن عبد الناصر كان ينفذ مخططا ،  ويعمل على تثبيت دولة إسرائيل بما أوتي من جبروت وطغيان وفساد ، هو وزمرته الذين يحرقـون الباخـور بين يديه ، ويؤلهونه كما لم يؤله بشر في التاريخ ،  ولما أعدمه وقفت في الأسبوع الذي يليه ،  وكنت لا أذكر عبد الناصر باسمه الصريح في خطبي ،  وإنما أشير إليه وإلى غيره من الحكام بصفاتهم ،  ولكني في هذه المرة ذكرته باسمه فقلت :" يا عبد الناصر ،  يا عدو الله أيها الفرعون الصغير ،  قتلت سيد قطب لتقتل كل داعية ،  وتخيف كل عالم ،  وتمنع كل مفكر ،  قتل قبلك الحجاج ( أحد ظلمة التاريخ في الأمة الإسلامية ) سعيد بن جبير - رضي الله عنه - من كبار التابعين ،  بعد أن صلى ركعتين محتسبا لله ،  فما ذاق الحجاج بعدها الراحة والطمأنينـة ، وكان سعيد بن جبير يأتيــه كل ليلة في منامه يقهقه في وجهه فيفيق مذعورا ويقول : ( قتلني سعيد ،  مالي ولسعيد ) .. والله يا عبد الناصر أيها الفرعون الصغير لترين ذل نفسك في الدنيا قبـل الآخرة ، أبشر بها يا عدو الله " ..  وقد كان  .

 فكانت (هزيمة سنة 1967) ،  بل قل (خيانة 1967) أخزى معركة في تاريخ البشرية لكل الأمم على مر العصور ، إذ ينتهي جيش عبدالناصر وفرعونيــة عبدالناصر في الربــع الساعة الأولى من المعركة ، إذ كان طيران يهود قد دمر طيران عبد الناصر من العريش حتى أسوان ، وكان طيارو يهود ينادون قـادة المطارات من خلال طائراتهم بأسمـائهم ورتبهم ويطلبون منهم التسليم  ،  وكان زهرة ضباط الطيران الذين رباهم عبد الناصر على فكره ،  فأباح لهم كل محرم ،  وكان يعاقــب كل من يظهر عليه التدين ،  كان هؤلاء الضباط يأتون في ناديهم المنــكر ليلة الهجوم في الإسماعيليــة .  وهجمت يهـود بطائراتهم وهؤلاء مخمـورون . .  فأنى لهم أن ينتصروا  .

 كانت معركة (1967) رحمـة من الله رب العالمين (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خــير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) [ البقرة :  216 ] ..  إذ لو إنتصر القائمون على هذه المعركة ،  لنسب النصر إليهم ،  لا إلى الله رب العالمين ،  ولـما عبد الله في الأرض .  ولما كان دين الله أعز عليه من كل خلقـه ،  فوضع شرطا للنصر " بنصر خلقه له " ..  ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) [ محمد : 7 ] ..  وصدق الله في هؤلاء الحكام والأحزاب وأمثالهم الذين أعرضوا عن ذكر الله ،  وحاربوا الله ورسوله في كل أعمالهم وأفكارهم ( أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * مثلهم كمثل الذي أستوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون* أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهـم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافــرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ) [ البقرة : 16-20 ]   .

فكيف ينصرون وقد أباحوا كل محرم ،  فأباحوا الزنا والخمر والميسر والغدر والخيانة ،  وقتلوا النفس المؤمنة ،  وكانوا لا يتورعون من قتل الطفل أمام والديه ،  ويهتكون عرض المسلمة أمام زوجها أو أخيها ،  وقبل ذلك وبعد ذلك ينفذون مخططات الكفر ،  فكان طبيعيا وشريعة ودينا أن يهزموا ،  هذا إن لم يكونوا متآمرين على أمتهم وعلى هذا الدين ،  يظنونه دينا عابــرا بتاريخ هـذه الأمة ، وكان ينافس عبد الناصر في ذلك الوقت ، وهو حزب أسس في الأربعينات من هذا القرن ،  إستطاع أن يستقطب كثيرا من شباب الأمة ،  هؤلاء الشباب كانوا لا يعرفون شيئا عن الإسلام ،  إلا ما يمثله بعض المتبطلين من أصحاب الطرق الصوفية الغلاة ،  أو بعض الذين يلبسون لباس أهل الدين وعقولهم وقلوبهم فارغة من هذا الدين إلا من خرافات وأباطيل ،  أو من بعض علماء السلاطين الذين باعوا دينهم بدنيا السلاطين ،  فحرموا وحللوا ،  فكان هواهم تبعا لهوى السلاطين ،  مخالفين بذلك قول الرسول  صلى الله عليه وسلم : "" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "" .  وكان حزب البعث في يده السلطــة في الشام والعراق ، وقد ذهبت فلسطين ( كل فلسطين ) في رعاية حزب البعث في سوريا ،  وتحت شعاراته ،  واليوم يقوم حزب البعث السوري بتقديم فلسطين هدية ليهود ،  وشعارات الحزب هي هي في سوريا ،  سب الإمبريالية وتوعد الإمبرياليين .

وليس المجال هنا في بيان جرائم الحزب في سوريا ،  فهذا الحزب سلم الجولان ،  وسلم لبنان ،  وهو يزمجر ،  وتحول الحزب إلى عبــادة قائده بدلا من عبـادة الله ،  ممنوع أن يعبد الله إلا في السر ،  ولا يزال الشـباب الذين يظهر عليهم التدين فيـترددون على المساجد عرضة للإتهام والتحقـيق ،  بحجة أنه قبض عليهم متلبسين بالتـدين .  أما في العراق وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :""  خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام  "" فلقد  أعلن في العراق عن إسلام ( مشيل عفلق ) وهذا بحد ذاته إعلان عن فشل أفكار حزب البعث ،  ولقد تغيرت مبادىء حزب البعث بالعراق وخاضت العراق معركتها مع الكفر كله متمثلا بأمريكا وحلفائها وأعوانها باسم الإسلام وتحت راية " الله أكبر " وبدأ صدام حسين بتطبيق أحكام الشريعة خطوة خطوة فمنع البارات والمراقص والخمور وبدأ بتطبيق الحدود وبقطع يد السارق ،  وأمر بتحفيظ القرآن الكريم في المدارس والجامعات وبهذا يكون حزب البعث في العراق قد إنتهى إلا من الإسم والإسم هنا ليس معضلة بحد ذاته  .

 وساهم العلمانيون التقليديون ممن تربوا في مدارس الغرب ،  بإقامة دولة يهود ،  وكانت الكلية العربية في القدس ( دار المعلمين ) لا يدخلها إلا خيرة شباب فلسطين العباقرة ،  مصنعا لتخريج الإلحاديين والعلمانيين ،  والذين لا يؤمنون بهذا الدين إلا من رحم ربك وقليل ما هم  .

 كما كانت الجامعة الأمريكية في بيروت تصنع وتؤدي نفس الوظيفــة ،  مع تغيير نمط حيــاة الشباب المسلم ،  يعيش عيشة الغرب ،  فيقلد الغرب في مأكله ومشربه وملبسه حتى في منامه ،  فخرجت هذه الجامعة وأختها الجامعة الأمريكية في القاهرة الكثير الكثير من الذين لا يؤمنون بتاريخ أمتهم ،  ولا برسالتها ،  ولم تقرأ كتاب ربها ،  فكان طبيعيــا أن يؤثر هؤلاء في تفكير شباب الأمة تمهيدا لضياع فلسطين ..  وقد ضاعت  . وكان الكفر قد جاء ببعض العائلات التي كانت تحكم باسمه في بعض البلاد ،  فكانت مساهمتها في إقامة دولة يهود بارزة للعيان ،  وهي لا تستحي وهي تفعل ذلك أن تتمسح بالإسلام  .

حتميـــة النصـــر
الصحوة الإسلامية قـدر

 في هذا الجو "جو الكفر" وتطبيق أنظمة الكفر وتحريم ما أحل الله وإباحة ما حرم ، وغياب الفكر الإسلامي عن الساحة ، كان لا بد من الذي حدث من ذهاب كل فلسطين ، وسينـاء من مصر ، والجولان من سوريا ، وجنوب لبنان ،  ومن هذه التجزئة اللعينة التي تحياها هذه الأمة ، حتى تمزقت فأصبحت على مستوى الحارات والمشيخات والإمارات والجمهوريات والمملكات ،  وكلها أعلام وجوازات سفر وسفارات وقنصليات وهكذا من مظاهر السيادة الكاذبة ،  وهم ليس لهم سيادة إلا على شعبهم يضربونه بأمر سيدهم ،  ويذلونه إذا أراد ،  وعدد شعوب هذه المشيخـات لا يساوي عدد موظفـي سفارات إحدى الدول الكبرى المنتشرين في العـالم  .

 ولذلك جن جنون الغرب أو الكفر حينما ضمت العراق إحدى هذه المشيخات ،  فأرجعت الفرع إلى الأصل ،  فحشدت أمريكا ما تملك من قوة ،  وجرت وراءها دول الغرب وحكام المشيخات وعملائها من حكام بعض أجزاء هذه الأمة ، كل ذلك لتمنع توحيد أي جزئـين من أجــزاء هذه الأمــة ، ولها سابقــة في ذلك ،  فأمريكـا هي التي ساعدت عبد الناصر على توحيد سوريا ومصر ،  وكانت سوريا قد انفصلت قبل الـتوحيد عن الغرب سنة 1957،  فأصبحت دولة مستقلة ،  قرارها السياسي بيدها ،  فأراد الغرب أن يعيد سوريا إلى حظيرته عن طريق التهديد فحشد الجيوش على حدودها من الأردن ،  ومن العراق وتركيا ولكن ذلك لم يؤثر في سوريا فقرر أن يعيدها عن طريق عميله الأول عبد الناصر ،  فلما حققت أمريكا ذلك وعادت سوريا إلى حظيرة الغرب ،  سرعان ما فصلت سوريا عن مصر سنة 1961 ،  فقبل عبد الناصر بذلك الأنفصال بعد أن أمر طيرانه لضرب الإنفصال ،  ولكن السفير الأمريكي أمره بأن يرجع قواته من البحر ويمنع الطيران من الضرب ،  وخرج علينا بفتوى قبلتها الشعوب المخدوعة ،  أن العربي لا يصح أن يسفك الدم العربي ،  وبعد ذلك بثلاث أو أربع سنوات ،  أرسل جيوشه لذبح شعب اليمن بحجة  تخليصه من الرجعية والتأخر ،  وليعلمه الرقص والفن ،  فأرسل إلى اليمن الراقصات وفتح السينما  .

 كل ذلك ،  وكأن الشعب اليمني ليس عربيا ، والرسول صلى الله عليه وسلم يصف الشعب اليمني بقوله : ""الإيمان يمان والحكمة يمانيــة"" . ويقبل الشعب العربي المضلل الـفتوى من عبد الناصر ، أن العربي لا يسفك الدم العربي في سوريا ، ولكن يجوز أن يسفكه في اليمن ؟!! وصدق الله (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [ الفرقان : 44 ]  .

 وكان لا بد لهذا الليل من آخر ،  ليل نبتت فيه القوميات المتخاصمة وقضي فيه على بقية الدولة الإسلامية التي كانت تمثلها السلطنة العثمانية ،  ليل تمزقت فيه هذه الأمة إلى قطع لا تقوى على الصمود ولا على الثبات ،  ليل أصبحت فيه الحدود بين ما يسمى بالدول العربية مقدسة أو شبه مقدسة ،  وكل واحد من هؤلاء الذين يحكمونهـا يدعي (العمل للوحدة) ، والحقيقة أن كل واحد منهم يعمل على تثبيت التجزئة ، ليل كثرت فيه الأعلام وتعددت الرايات وكثرت فيه جوازات السفر التي تعني أن هذا العربي المسلم ، ليس من أمة واحدة ، وليس من شعب واحد ، وإنما هو مصري ، سوري ، عراقي ، لبناني ، أردني ، فلسطيني ، سعودي ، جزائري ، مغربي ، تونسي ، ليبي ، سوداني ، موريتاني ، صومالي وأخيرا هو كويتي (تلك الإمبراطورية العظمى التي كفرت بعد حرب الخليج ، فأتخذت من دون الله آلهة : أمريكا وبريطانيا وفرنسا وكل دولة ساعدتها في الاعتداء على هذه الأمة وتحطيمها ، ولكن إلاههم الأكبر بوش يقدسونه أكثر من الله). وأخيرا في هذا الليل المظلم ذهبت فلسطين كل فلسطين ، وأجزاء من مصر ، وأجـزاء من سوريا وأجزاء من لبنان ، فكان لا بد لهذا الليل من آخر ، فكانت الصحوة الإسلامية ، وبدأت هذه الصحوة على غير توقع إلا من الفئة القليلة المؤمنة التي فهمت القرآن ، ودرست سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته ومبشراته التي بشر بها ، وتنبؤاته التي تنبأ بها وحيا  .

 -   التحول في الجزائر  :

 والأمة بعد خيانة 1967 ، عاشت في جمود فكري وسياسي ، وكان الناس حيارى لا يدرون . منهم من كان متعلقا بالزعيم ويرى فيه المسيح المخلص ،  فلما إنكشف أمر الزعيم وأنه كان ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) [ النور :  39 ] .. أصيب بصدمة عنيفة أفقدته التفكير والقدرة على العمل ،  ومنهم من اتبع الأحــزاب الكافــرة التي سيطرت على أجــزاء كثيرة من هذه الأمة ، الأحزاب المأخوذ من الماركسية ، والمادية الديالاكتية ، التي قامت على أساس (التطور المادي الحتمي) للمجتمع والمادة والتاريخ ، وأن الآلة هي التي تطور المجتمع ، وأنه لا إله ولا يحزنون ، وإنما هي أرحام تدفع ، وبطون تشبع ، وقبور تبلع .. وأنه بعد الرأسمالية تأتي الإشتراكية ، وأن بعد الإشتراكية الشيوعية ، وبعد الشيوعية يعيش الإنسان بلا حكومة ، خيال مريض أنتجته عقلية يهودية سخيفة حاقدة ، عقلية ماركس ومن بعده لينين ، وكانت الأحزاب الكافرة في الوطن العربي والإسلامي أخذت هذا الفكر ، بإعتباره قضايا مسلم فيها لا تحتمل النقاش ، ولكن هذا الفكر سرعان ما إنهار ، وإنهارت الأحزاب التي تحمله ، سرعان ما إنهزم ، وإنهزمت الأحزاب التي تحمله ، وكان يستحيل على هذه الزعامات والأحزاب أن تنتصر لا شرعا ولا عقلا ، أما الشرع فلا يمكن لهذه الأمة أن تنتصر بغير الإسلام عبر التاريخ وإني أتحدى كل مؤرخ وكل مفكر وكل سياسي أن يعطيني معركة ولو واحدة انتصر المسلمون فيها بغير الإسلام . أما عقلا فالماركسية تلغي العقل في تسييره لأمور الدنيا وتجعل الآلة هي التي تتحكم في هذا التسيير  .

 وآخر معركة إنتصر فيها المسلمون في هذا العصر ، معركة الجزائر ، والذي إنتصر هو الشعب الجزائري المسلم ، الذي تربى في كتاتيب القرآن ، التي أقامتها جمعية العلماء بقيادة المرحوم الشيخ عبدالحميد بن باديس ، والمرحوم الشيخ بشير الإبراهيمي نائبه . كان الحزب الشيوعي الجزائري وهو فرع من الحزب الشيوعي الفرنسي يقاوم هذه الثورة ، ويدعو بالإندماج مع فرنسا ،  فلما إنتصرت الثورة ، جاء العلمانيون فسرقوها بقيادة أحمد بن بيلا ، ومن بعده هواري بو مدين ، وأقتسم قادة جبهة التحرير السلطة والسرقة ، وسرقوا من أموال هذا الشعب عبر هذه السنين (27) مليار دولارا ، مما أدى إلى إفقاره وتجويعـه ، ولقد اعـترف (أحمد بن بيلا) في إجتماع تم في لندن في بيته بيني وبينه ، أنهم حينما إستلموا الحكم في الجزائر ، كانوا مراهقين سياسيين ، وأنهم لبسوا حلة ليست لهم ، ضيقة قصيرة الأرجل والأكمام ، ومع هذا لبسوها فعذبتهم وعذبت الشعب الجزائري  .

 وهكذا ، أفلست جبهة التحرير ، وأفلس فكرها إن كان لها فكر ،  وأجاعت الشعب في الجزائر ، والبلد الوحيد في العالم -على ما أعلم - الذي تؤجر فيه الشقق السكنية لعائلتين بآن واحد ، عائلة بالليل وعائلة بالنهار هو الجزائر .

 لكن الله كان لهؤلاء الحكام بالمرصاد ، فأنتفض الشعب الجزائري إنتفاضته الكبرى ، قبل خمس سنوات ، وهيأ الله له قيادة مسلمة (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) ففازت في الانتخابات على أساس من كتاب الله وسنة رسوله ،  فحصلت على (88%) من مجموع الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات ،  ولو جرت الجولة الثانية من الانتخابات لسيطر الإسلام على (95%) من مجموع أعضاء المجلس ، لكن الغرب تحرك ، وتحرك الصليبيون ، وتحركت أمريكا ،  وتحركت فرنسا ، وتحرك الماسونيـون وتحرك العلمانيـون ولا يزال الجيش تحت أيديهم ،  فصـادروا ( الديمقراطية ) في الجزائر ،  مصرين على تجويع الشعب الجزائري وإذلاله وسرقة أمواله .  لكن الغيب يتدخل ،  فأنتفض الشعب ولا يزال ،  وكان الحكام من جهلهم هم ومن معهم يظنون أن القوة ستقضي على إرادة الشعب المستمدة من إرادة الله .  فسرعان ما حركوا الجيش ليقضي على هذا ( التمرد ) لكن الأمر أستفحل ،  وكلما سقط شهيد في المعركة قام رجال أشداء ،  والآن تبحث الفئة الباغية في الجزائر عن حل يحفظ وجودها إن كان سيبقى لها وجود ،  ويحفظ ماء وجهها إن كان في وجوههم حياء  .

 وهم اليوم بدأوا يتراجعون ،  فبدأوا يغازلون ويريدون المفاوضة مع جبهة الإنقاذ الإسلامية ،  ونصر الإسلام في الجزائر حتمي بإذن الله ،  إذ أن الثورة في الجزائر ليست ثورة حزب ،  لكنها ثورة شعب .  وقد رأيت ذلك بأم عيني حينما زرت الجزائر ،  وحضرت مهرجانا ،  أنا والشيخان عباسي مدني وعلي بلحاج في الاستاد الرياضي الكبير في الجزائر ،  وخطبنا أمام عشرات الألوف التي كانت تزمجر وتعلن الجهاد والإستشهاد ،  وقد سجل هذا المهرجان على شريط فيديو ووزعت منه مئات الألوف من النسخ في جميع أنحاء العالم وخصوصا في الجزائر وفرنسا وأوروبا .  فإذا ما سقط الحكم في الجزائر بأيدي المسلمين وشع نوره فسيشمل المغرب العربي الكبير ،  ومن يدري فلعل دولة الإسلام في هذا العصر تبدأ من هناك ،  فتتوحد الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا والمغرب وتندفع هذه الدولة إلى المشرق ،  لترد لأهل المشرق الجميل لأحفاد الذين حملوا إلى المغرب هذا النور . .  نور الإسلام العظيم  .

 ولا بد للإسلام أن ينتصر ،  لأن هذه الأنظمة لا تقوى على الصمود ،  فهي غير مخلصة حتى في كفرها ، وستنهار عاجلا أم آجلا ، وسيرثها الإسلام ،  فوظيفة هؤلاء الحكام أن يأكلوا كما تأكل الأنعام ، ويشربوا كما تشرب الأنعام ،  حيـاتهم اللذة وعيشهم الفجور ، يبحث الواحد منهم عن اللذة في أطراف الدنيا ،  يشتريها بأموال هذه الأمة ،  فلم يعدوا العدة لشيء إلا ما كان من عدة كتم أنفاس الشعوب ، ومحاربة الإسلاميين ، وقتل المؤمنين ، والعمل على تثبيت يهود دولة يلعنونها بالنهار (هذا إن لعنوها ، وقد تابوا عن ذلك بعد المفاوضات)  ويتآمرون معها في الليل ، فجلهم صناعة يهودية وحياكة ماسونية ، ولا يزال أكثرهم يستوردون الأحذية وما صغر وما كبر من مستلزمات هذه الحياة الكمالية والضرورية منها . وقد قلت في محاضرة في لندن - وأنا أتكلم عن حتمية زوال دولة إسرائيل ، وأفسر آيات المائدة والإسراء - قلت عن الاستعداد الروحي وتقوية الصلة بالله حتى يتهيأ لنا التغيير ،  نعمل بتوفيقه ونسير على هداه ،  فوقف لي أستاذ جامعي من تونس وقال : "إنك لم تتكلم عن الاستعداد المادي" ،  فقلت : " أي استعداد سيكون في ظل هــؤلاء الحكام ، الذين لا يزالون يستوردون الأحذية ، فكيف بهم أن يصنعوا عابرات القارات ، وألات التدمير ، وأحدث الطائرات ، فلا يمكن لهؤلاء أن ينتصروا ، لأن انتصارهم يخالف سنن الله في الكون ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) [ فاطر : 43 ] " .

 -   التحول في مصر  :

 ويبدأ التحول في مصر ،  مصر التي هي حبة العقد في بلاد العرب والمسلمين ،  والتي حافظت بأزهرها على الإسلام ،  الذي خرج العلماء خلال الألف عام .  وشعب مصر هو أعمق العرب إسلاما على ما فيه وأكثرهم إيمانا يستجيب لنداء الله ،  وفي أول القرن ظهر الزعيم المصري المسلم مصطفى كامل الذي كان ينادي بمصر الإسلام ،  وأن تعود مصر لدولة الخلافة ،  ولأمر أراده الله مات شابا قبل أن يستكمل رسالته ، وينفذ أفكاره ، فجاء من بعده العلمانيــون فــزوروا إرادة الـشعب ( سعد زغـلول وربعـه ) ،  إلى أن ظهرت حركة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا - رحمه الله - ،  فعملت عملها في إيقاظ الشعور الإسلامي ،  والدعوة إلى توحيد المسلمين ، ولكن هذه الحركة إنتكست بمجيء ثورة ( 23 / يوليو ) بعد أن إستشهد مؤسسها رحمه الله  .

 هذه الثورة ( ثورة جمال عبد الناصر ) جاءت لأمرين إثنين :  لضرب الحركـة الإسلاميـة المتمثلة في حركـة الإخوان ،  والتي قاتلت في فلسطين سنة 1948 قتالا إيمانيـا ،  فحاسبها الغرب الحساب العسير ،  فجاء بعبد الناصر ليضربها حتى يثبت يهود دولة وهو الأمر الثاني . .  وهكذا كان ،  وأعدم عبد الناصر كل من ينادي بالجهاد والجنة والإستشهاد  .

 وعاش شعب مصر وحـال الناس يقول " أنج سعد فقد هلك سعيد " ،  لكن الله العزيز الجبار أخذ عبد الناصر أخذ عزيز مقتدر ،  فسقط وسقط فكره إن كان له فكر ،  وسقط ميثاقه ،  وعفـا عليه الزمن ،  ولم يعد أحد يذكره ،  وبدأت الصحوة الإسلامية من بعده تتململ من تحت الرماد  .

وهكذا بدأ التحول في مصر نحو الإسلام وبدأ الإسلام يفرض نفسه على المجتمع في الجامعات ،  في الأساتذة والطلاب ،  وفي النقابات وفي المثقفين ،  وبدأت الحملة المضادة لمحاولة إيقاف هذه الصحوة ،  فعادت ماكنات التعذيب والبطش والإرهاب لعلها توقف إرادة الله في التغيير ،  وقد أزكى شعلة التغيير نحو الإسلام أنـور السادات بخيانتـه وإعترافـه بدولة يهود وتسليمه فلسطين والقدس للكفـار ،  وقد زار القدس ليبارك ليهود في أخذها ،  وها هي مصر اليوم تعيش المعركة معركة التغيير وهي بين مد وجرز ،  وقد قررت حكومة مبارك عمل مؤتمر وطني إستثنت منه الإسلاميين لعلها تجد طريقا في الخروج من عنق الزجاجة التي هي محشورة فيه ،  وسيفاجىء العالم ذات ليلة بأن هذا النظام الخائن الذي يعيش حشرجت الموت قد انهار فجأة وعادت مصر إلى قيادة العالم العربي والإسلامي وإلى لعب دورها الإساسي في تحطيم دولة يهود وتحقيق وعد الله في ذلك  .

 وتتكرر مأساة الجزائر في مصر في الإسكان وعدم وجود البيوت ، فلا يستطيع الشباب والشابات أن يتزوجوا إلا ما ندر ، لأن إيجاد شقة في مصر يرتفع إلى مستوى المعجزة ، وهي إن وجدت فسعرها لا يطاق ، بل إيجاراتها ترهق ولا يتحملها الشباب ، سرعان ما إنتفض شباب مصر من عشاق الجنة ،  وأنطلقوا يضربون النظام في عمقه وفي رموزه وفي حراسه ، والنظام كاد أن يرضخ بمفاوضة الإسلاميين ، وألفت لجنة من كبار دعاة الإسلام لهذه المهمة ، ولكن النظام خاف على هيبته أن تنهار فعدل عن الفكرة ، فإزداد الأمر اشتعالا ،  فمصر اليوم على أبواب التغيير المنتظر . وقد صدرت أحكام الإعدام في (19/فــبرايـر/1994) على ثلاثة من العسكريين بتهمة محاولة إغتيال الـرأس الفـاسد للنظــام (حسني مبــارك) ، وهذا سيجعل الأمر بإذن الله يبلغ مداه فتحكم مصر بالإسلام ، ويكنس الإسلام الفساد والمفسدين ، ويكنس دولة يهود إلى مزابل التاريخ  .

-   أثر حرب الأفغان في التغيير  :

 وجاءت حرب الأفغان ،  فكانت فرصة لشباب الإسلام أن يذهبوا إلى هناك كي يتدربوا تدريبا عمليا ،  ويرجعون إلى بلادهم للعمل على قيام دولة الإسلام وكان للمرحوم الشيخ عبدالله عزام دوره في تدريب هؤلاء الشباب وإيقاظ روح التغيير والجهاد والإستشهاد فيهم مما دعى الكفر والخونة إلى قتله ،  فتعاونت المخابرات الأمريكية وبعض عملائها في أفغانستان في تنفيذ تلك الجريمة ،  فهم الذين يقودون القتال في كل مكان في مصر والجزائر وفي غير مصر والجزائر . 

 -   التحول في السودان  :

 وفي السودان ثورة ،  ولقد زرت السودان وأجتمعت مع المسؤولين ،  ولقد حدثني السيد عمر حسن البشير أنهم جاءوا للحكم ،  لأن ( جارنج ) ورفاقه من الصليبيين والوثنيين كادوا أن يصلوا إلى الخرطوم فأرسلت الحكومة آنذاك وفدا برئاسة المرغني يرجوهم أن لا يدخلوا الخرطوم ،  وإن دخلوها أن لا يسبوا المسلمات ،  ولما ذهب الوفد و( جارنج ) في أوغندا ،  وضع جارنج رجليه على الطاولـة في وجه المرغني وأخذ يملي عليه الشروط ،  وهنا تدخل الغيب فجـاء بعمر البشير ورفاقه من الضباط ،  وبدأوا يطبقون الإسلام .  وكان النميري قد سرق السودان أيضا كما فعلـوا في مصر والجزائر ،  وسرق ستة عشر مليـار دولار ،  وكان الشعب في حالة مجاعة أو يكاد ،  فلما جاء هؤلاء الشباب المسلم إلى الحكم ،  وأعلنوا تطبيق الإسلام ،  شبع الشعب بعد جوع ،  وأنكسا بعد عري ،  وأنتصر بعد هزيمة وأمن بعد خوف ،  وقبل حوالي سنتين حينما قابلت عمر البشير قال لي : "" لدينا مليون طن من الذرة ( إحتياط إستراتيجي ) لا نمسها ،  وعندنا سبعمائة وخمسين ألف طن من القمح ،  والآن يتبرع السودان للدول الأفريقيــة من حولــه بالحبـوب ،  ويصدر السكر "" .. 

 وقال لي البشير عن الكرامات التي تحدث في السودان فضرب أمثلة على ذلك فقال :"" كادت أن تنفذ الذخيرة من الجيش   وأمريكا مانعة أحد من أن يبيعنا الذخيرة ، فإذا حاكم بورسودان يرسل برقية يقول فيها : إن في الميناء باخرة صينية على ظهرها هدية أسلحة من الشعب الصيني إلى الشعب السوداني،  ولم يحدث قبل ذلك أن أتصلنا بالصين وطلبنا أسلحة " ، قال البشير :" ففرحنا بذلك فرحا شديدا ، وصدق الله تعالى (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) " . ولما قرب الجيش السوداني أن يحتل (توريت) - وهي المركز الرئيس لجارنج زعيم الكفرة المتمردين - قال البشير :" تقدم الجيش على الجبهة يريد أن يجتـاز واديا ،  فإذا نحل كثيف يقف في وجه الجيش فيمنعه من التقدم ،  وبعد ذلك بقليل فإذا بسيل عرم يجتاز الوادي ، وإذا بقنابل تنفجر بجنبات الوادي،  هذه الألغام إنفجرت وقد زرعها جارنج في الوادي لتدمير الجيش القادم ،  وبعـد ذلك ، اجتـاز الوادي الجيش المسلم مكبرا مهللا حيث أن النحل من جنود الله ، فلما قرب من توريت ، ويعلو توريت جبل ، وجنود الكفر قد تمركزت فيه،  فلو تقدم الجيش الإسلامي  فسيكون مكشوفا لجيش الكفر - وهنا يتدخل الغيب مرة أخرى - فإذا غمامة بيضاء تلف الجبل وتفصل بين جنود الكفر وجنـود الإسلام ،  فلا يرى أحدهم الآخر ، ومن خلال الغيمة صعد جند الإسلام الجبل ، فقضوا على حامية جيش الكفر ، وحرروا توريت " . وكان تحريرها نقطة البداية لإنهاء حركة التمرد الكافرة ، والتي يحاول الكفر العالمي أن يثبتها ، ولكن هيهات .. هيهات ، فالسودان المسلم عرف الطريق إلى النصر عبر الإسلام والاستشهاد ،  عبر ولوج الجنة برؤوس الكفار  .

 وقد زرت السودان مرة أخرى ،  وأتيح لي أن أذهب إلى الكلية الحربية في الخرطوم وأحاضر فيها بحوالي ألفي تلميذ عسكري - ضباط على وشك التخرج - وحين وصلت إلى الكلية ،  وكان الوقت قبل الغروب بقليل ،  رأيت شبابا كل يفتح مصحفه ويتلوا كتاب الله ،  وحاضرت فيهم ساعة من الزمن ،  وقلت لهم :" إنكم ستكونون من جند الإسلام الذي سينطلق في العالم كله وفي أفريقيا بالذات،  لتحملوا الرسالة وتؤدوا الأمانة - وكانت ساعة من ساعات الله - " ، وكنت في السنة التي قبلها قد زرت معسكرا للتدريب الشعبي ، ممن يعدون للمحاربة في معركة تحرير الجنوب ، فقد رأيت العجب العجاب ، رأيت الطبيب والمهندس والنائب والمعلم والفلاح والعامل والعالم والشــيخ كلهم في ثياب بيض ، مكبرين مهللين ،  ذهبت أذكــرهم في القدس ،  فذكروني ،  وذهبت أذكرهم بفلسطين ،  فذكروني ،  فبكيت وبكوا ، بعد أن خاطبتهم خطاب المؤمن للمؤمنين ، وقلت لهم :" إن النصر قادم لا محالة ،  فأنتم حملة الرسالة الآن وأنتم جند الله " .. فلو تورطت أمريكا في السودان ، فستجد جندا لا كالجند ، ورجالا لا كالرجال ، جند يكبرون ويبغون الجنة ، أقوى من أمريكا بقوة الله  .

 وإذا كان جند الله في لبنان قد أرغموا المارينز على الرحيل ،  بعد أن أسرعوا بثلاثمائة جندي منهم إلى الجحيم ، وقد سأل التلفاز الأمريكي أحد جنود المارينز ممن نجوا :"  ما أغرب ما رأيت أثناء إنفجار المعسكر ؟ "،  قال :" أغرب ما رأيت هو أن الشاب الذي كان يقود السيارة الملغومة ،  كان يبتسم في ساعة الإنفجار " .  وبالطبع لا يعلم الكفار ومن تبعهم لماذا هذا الشاب كان يبتسم في أثناء الإنفجار ،  ولكن الإسلام فسر لنا هذا ،  فالإنسان حينما تصعد روحه يرى منزلته من الجنة أو من النار ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) [ ق : 2-3 ] .. (حديد) - أي حاد - ، يرى ما لا يراه في الدنيا ، يرى منزلته في الجنة ، يرى الحور العين المعدة لاستقباله "يرى مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر" كما ورد في الحديث الصحيح  .

 وفي مقابل هذه الصورة الإيمانية ،  نرى صورة أخرى ،  يرويها الناطق باسم السادات ، الصحفي الخائن لأمته ولله ولرسوله أنيس منصور ، فيقول بعد مقتل السادات مباشرة :" ما ندمت على قرار أتخذته في حياتي كما ندمت حينما دخلت غرفة العمليات ، إنني رأيت فيها السادات وهو مقتول ، فقد رأيت منظرا ، أرجو الله أن يعينني على نسيانه " .

 وبالفعل ، رأى السـادات منزلتـه من النار ، فتقلص كل جسمه ، وأسود كل بدنه على سواده ، وأضطربت كل شعيرة فيه ، وهو حينما قتل -لعنه الله- وهو يسقط تحت الأرجل ظهر صوته في الإذاعة وفي التلفاز وهو يقول :" مش معقول ده يا حسني " أما أن يخون الأمة فهذا معقول عنده ، وأن يبيع مصر وشعب مصر ، وأن يبيع القرآن فهذا حلال له ، وأن يظهر بمظهر فرعون العصر - لأنه كان يتمتع بالأبهة والسلطان - وفرعون من قبـل قال (أليس لي ملـك مصر وهـذه الأنهــار تجــري من تحـتـي) [ الزخرف :  51 ] .. وكذلك كان يقول السادات  .

وحين شيع جثمــان السادات ، شيعه يهود وأربع رؤوسـاء من الولايات المتحدة الأمريكية ، ولم يمش في جنازته مسلم موحد إلا بعض المأمورين ، ولما قربت الخيل من القبر ، رفضت أن تسير ، وكانت الخيل تجر المدفع الذي عليه الجثمان الخبيث ، فضربوها ودفعوها وحاولوا المستحيل معها وهي ترفض أن تتقدم ، أما لماذا هذا الأمر ؟  فيجيب عنه الرسول صلى الله عليه وسلم :"إن عذاب القبر تسمعه كل المخلوقـات إلا الثقلين " لإنها لو سمعته لهلكت ، وأن الحيوانات ترى ما لا يراه الإنسان .  ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "إذا سمعتم الحمار ينهق فأستعيذوا بالله ، فإنه قد رأى شيطانا ، وإن سمعتم الديك يصيح فهللوا ، فإنه قد رأى ملكا " ،  لذلك يكون صياح الديكة في الفجر حينما تنزل ملائكة النهار لتستلم من ملائكة الليل ، وعند العصر يتكرر ذلك تنزل ملائكة الليل تستلم من ملائكة النهار ، وقد رأت خيل السادات ملائكة العذاب فخافت أن تتقدم ، وخصوصا أن الجنازة لا يشيعها إلا الكفار والمنافقون  .

 -   التحول في تركيـا  :

 وفي تركيا (الكمالية ، العلمانية) والتي تتغنى حكومتها بالكفر منذ أتاتورك - لعنه الله - ظن أتاتورك أنه قضى على الإسلام بمجرد جرت قلم ،  فألغى الحروف العربية ، ففصل الشعب التركي عن ثقافته وحضارته وتاريخه وإنتصاراته المدونة بالحرف العربي ، وألغى الأذان باللغة العربية ، وكان يغيظه أن يسمع أن محمدا رسول الله من فوق المآذن ، وكان مأفونا وهو من يهود الدونمة ولا يعرف له أب ، لكن الإسلام بفضل الله أقوى من أتاتورك ، فذهب أتاتورك وذهب (عصمت إنينو) خليفته الذي فاوض الكفار في ( لوزان ) وعقد صفقة معهم على أن ينسحب الحلفاء من تركيا مقابل إلغاء الخلافة الإسلامية وإلغاء الحرف العربي وتحويل الدولة التركية الإسلامية إلى دولة علمانية كافرة .  وذهب من حوله من الكفار والماسونيين ،  فكان أول العودة للإسلام من جديد أن أعاد عدنان مندريس - رحمه الله - الآذان باللغة العربية ،  وحينما أعلن أول آذان باللغة العربية ،  كان الشعب التركي كله على أسطح المنازل ،  وبدأ البكاء الشديد من الفرح ،  فكانت أول صفعة لأتاتورك ومن معه من كفــار الدونمــة والماسونيين والعلمــانيين ولخطهم الكافر ،  وبدأ يفـتح المدارس والمعاهد لتعليم القرآن واللغة العربية ،  ففتح منها بالمئات ، فقتله جيش أتاتورك بأمر الغرب ،  وبالرغم من ذلك بدأ الإسـلام يعــود ، وفي أخـر إنتخـابات للبلديـات في تركيـا ،  نجـح حزب الرفاه (الحزب الإسلامي) بغالبية البلديات ، وكان أبرز هذا النجاح والذي رج كثيرا من الأوسـاط الفكرية والسياسية في العالم بأسره هو نجاحه في اسطنبول وأنقرة وقونيا ، وخصوصا اسطنبول (عاصمة السلطنة الإسلامية لمدة أربعمائة عام) مما يبشر بعودة مباركة للإسلام في تركيا ليتولى سدة الحكم فيها ،  وقد طالب بعد المتنفذين في تركيا بإلغاء إنتخابات البلديات التي نجح فيها الإسلاميون ،  فنصحهم الدكتور نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه أنه إن حدث ذلك وتدخل الجيش لإلغاء الإنتخابات فستتحول تركيا إلى جزائر أخرى ،  وقد أدت هذه النتيجة إلى إستقالة بعض الوزراء وعلى رأسهم وزير الداخلية .  وسيسير الأمر حسب خط الغيب بإذن الله حتى يبلغ الأمر مداه  .

 -   التحول في الكرة الأرضية  :

 والإسلام بدأ يتفاعل مع الكرة الأرضية كلها ،  ويقبل عليه الناس ويدخلون في دين الله أفواجا ،  وقد دخل في هذا الدين عقلاء القوم في أوروبا وأمريكا ،  وكان دخولهم ضربة للفكر المادي ، فرجل على مستوى جارودي ،  وكان أحد أعلام الفكر الشيوعي ،  وسكرتيرا للحزب الشيوعي الفرنسي لمدة عشرين سنة ،  فيعلن ردته عن الشيوعية ،  ويدخل الإسلام على بصيرة ،  مما أحدث هزة بين صفوف المفكرين الأوروبيين والأمريكيين  .

 وكان الجراح الدكتور ( موريس بوكاي ) الفرنسي المشهور ،  قد أعلن إسلامه ،  وألف كتابا أسمه " الإنجيل والقرآن في ضوء المعرفـة الحديثة " ..  فأثبت أن ( التوراة والإنجيل ) لا يشيران ولا إلى حقيقــة علميـة واحدة ،  لأنها كتب محرفة ،  والقرآن لا يصطدم ولا مع حقيقة علمية واحدة ،  لأنه من عند الله عالــم الغيب والشهادة ( ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 42 ] ..  قال تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) [ الحج :  5 ] ..  وفي أمريكا أسلم الكثيرون من العلماء والمفكرين والعاديين  .

 أما العلماء فحينما قرأوا القرآن ،  أذهلهم بما يحويه من حقائق ترسم الطريق لحياة إنسانية كريمة ، لا عوج فيها ، فكل خير في هـذه الحيـاة دعـا إليه الإسلام ، وكل شر في هذه الحياة حرمه الإسلام .. الأخوة بين بني البشر في القرآن حقيقة ، وليس لأحد فضل على أحد بجنس أو عرق أو لون لأن كل البشر لأدم وآدم من تراب ، وإنما إختلف البشر في ألوانهم وأعراقهم لأن الأب آدم عليه السلام ، أخذت طينته التي صنع منها من جميع تراب الأرض ، فالأرض ترابهـا الأبيض ،  والأحمر والأسمر ،  وفيــه الحزن والسهل ،  وفيه اللين والصلب .  فكان لا بد للبشر أن يأتوا على أصل التكوين الذي تكون منه أبوهم الأول ،  وأمهم حواء جاءت من آدم ،  فخلقت من ضلعه ،  وبهذه المناسبة خلق الله أربعة أنواع من الـبشر : خلـق آدم من غـير أب ولا أم ، وخلق حواء من آدم بلا أم ، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب ، وخلق باقي البشر من أب وأم  .

 وأخذ الإسلام يتفـاعل بقوة ،  وحينما حضر عالم في علم الأجنة ،  رئيس قسم التشريح في جامعة ( تورنتو - كندا ) مؤتمرا علميــا في هذا الموضوع أقامتــه جامعــة الرياض  ، وفسرت لـه آية تكوين الاجنة كما وردت في القرآن الكريم (ولقد خلقنا الإنسان من سـلالة من طين * ثم جعلناه نطفـة في قرار مكـين * ثم خلقنا النطفة علقـة فخلقنـا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ثم كسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) [المؤمنون : 12-14] ،  فقال :"إن هذا الكلام ليس من كلام البشر ، لأننا لم نصل إلى هذه الحقائق العلمية إلا قبـل ثلاثين سنة حينما تم اكتشاف المجهر الالكتروني" ..  فأسلم هذا العالم الجليل ،  وقال : " لا أريد أن أعلن إسلامي في الرياض ، وإنما في الجامعة كي أحدث الطلاب والأساتذة عن سبب إسلامي "  .

 وهكـذا ،  أخذ الإسـلام يتفاعــل في الدنيا كلها ،  حتى أصبح الديانة الثانية في إنجلـترا ،  وفرنســا وايطاليــا وفي الطريق ليصبـح كذلـك في أمريكــا ..  وهكذا ينصر الله دينــه بغـير حرب ولا قتــال ( ليظهره على الدين كله ولو كره المشركـون ) [ التوبة : 33 ]  .

 زوال الإمبراطوريات التي ساهمت
بقيام دولة إسرائيل

وما يجري في الكرة الأرضية ، بسبب قضية الأرض المباركة ، إذ هي محور السياسة الدولية ، ومحور التغير السياسي ، ومحور الصراع بين الكفر والإيمان .  وهذا القرن الذي نعيشه والتي برزت فيه قضية فلسطين ( الأرض المباركة ) لتكون الشغل الشاغل للدنيا كلها ،  جرت فيه أحداث عظام لا تشبهها أحداث إلا أحداث القرن الأول للهجرة السادس الميلادي ، والتي أنطلقت فيها جيوش المسلمين ،  فهدمت الأمبراطوريات الظالمة ،  وحررت الإنسان من عبودية غير الله ،  وفتحت أبـواب الجنـة لآلاف من الشهداء الموحدين ،  الذين وصلوا إلى أسـوار الصين شرقا ،  وتخـوم فرنسـا غربا ،  وحـدود سبيريا شمالا وأدغال أفريقيا جنـوبا .  وهذه الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي والعالم كله تمهد الطريق لسيطرة الإسلام على الأرض وزوال إمبراطوريات الكفر التي شقي بها الإنسان ولا يزال  .

 -   زوال الإمبراطورية البريطانية  : 

وفي هذا القرن زالت الإمبراطورية البريطانية كقوة عظمى في التاريخ ،  نتيجة لمعاداتها للإسلام والمسلمين ولظلمها المتراكم في ظلم الشعوب ، ونهبها لخيرات البشرية ،  وبلغ ظلم بريطانيا مداه حينما أعطت وعد بلفور سنة 1917 ليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين ، وأضطهدت الشعب المبارك فقتلت وخربت وعذبت وسنت القوانين والأنظمة مما أدى إلى إقامة دولة يهود ، فكان الله لها بالمرصـاد ، فدخلت الحرب العالميـة الثانية ، ودمر الله بريطاينا على رؤوس أهلها ، وخسرت الملايين من البشر في الحرب ، وخرجت منها محطمة،  وإن كان في ظاهر الأمر منتصرة ، إذ هي لم تنتصر حقيقة ، وإنما الذي انتصر هي أمريكا والاتحاد السوفياتي سابقا وورثت أمريكا امبراطورية بريطانيا .. ولا تزال بريطانيا في تدهور مستمر  .

 وكما قلت للتلفزيون البريطاني الرسمي محطة   B.B.C  إن هناك في بريطانيــا عدة ملايين من البشر يعيشون تحت خط الفقر حسب التقديرات الرسمية المعلنة ..  وهكذا كل من يمد يده للأرض المباركة وأهلها بسوء تحرقه ولو بعـد حين  "  .

 -   زوال الإمبراطورية الفرنسية  :

 وأيضا في هذا القرن زالت الإمبراطورية الفرنسية ،  والتي كانت تنافس الإمبراطوية البريطانية في إذلال المسلمين ،  ونهب خيراتهم ،  ولقد أذلها الله ،  وبلغت ذروة إذلالها يوم أن قام الشعب الإسلامي الجزائري بثورته التي أطاحت بهيبة فرنسا وإمبراطوريتها،  والذي قام بذلك هم جند القرآن ،  الذين تربوا في المساجد وتعلموا القرآن فيه ،  ففتح الله عليهم وأثابهم نصرا كبيرا ،  وكان الإستعمار الفرنسي بشعا ،  لا تقيم للنفس الإنسانية أي إعتبار ،  وتحمل مع استعمارها الإنحلال والتفسخ الخلقي المشهورة بها الحضارة الغربية عامة ،  والفرنسية خاصة  .

 -   زوال الإمبراطورية الألمانية  :

 وفي هذا القرن ، ذهبت إمبراطورية هتلر ،  فقامت في هذا القرن وزالت به ،  وكان لا بد أن تذهب لأمرين  :

 الأول  :   لأنها تنادي بما يخالف الفطرة ، وهو تفوق العنصر الآري (الأوروبي) عامة ، والألماني خاصة ، وهذا يرفضه الله رب العالمين  .

 الثاني :   أنه لو إنتصر هتلر لما قامت دولة يهود وقيامها وعد من الله ،  وها هي قد قامت بالفعل وهي الآن بطريقها إلى الزوال على أيدي المسلمين بإذن الله تنفيذا لكامل الوعد الآلهي بقيامها وزوالها  .

 -   زوال السلطنة العثمانية  :

 وحتى تقوم دولة يهود كان لا بد من زوال الدولة العثمانية بوصفها دولة إسلامية ،  ولأنه لا يمكن أن تقوم دولة يهود ويتحقق وعد الله في ذلك في قيامها وزوالها وللإسلام دولة في الأرض ،  فصار الانقــلاب العثمـاني سنة 1909 وتم عزل السلطان عبدالحميد - رحمه الله - واستولى على الحكم (الماسونيون ، والعلمانيون ، والقوميون الأتراك ، ويهود الدونمة والصليبيون)  .

 فكان لا بد من زوالها ثم جاء أتاتورك محاولا إخراج الشعب التركي من الإسلام أو نزع الإسلام منه فألغى السلطنة الإسلامية سنة 1924 وأعلنها دولة علمانية .  وظن العالم أن الإسلام قد إنتهى في تركيا ولكن أحداث السنين الأخيرة أجمعت أن الإسلام في تركيا أقوى من أن ينزع ،  فعادت الأحزاب الإسلامية والجمعيات الإسلامية تحمل الإسلام وتعمل على عودة الخلافة .  فالصحوة الإسلامية في تركيا هي مكملة للصحوة الإسلامية عند العرب وفي العالم كله  .

 -   زوال إمبراطورية الاتحاد السوفياتي  :

 وفي هذا القرن ،  زالت الإمبراطورية الإلحادية الأولى في التاريخ الاتحاد السوفياتي سابقا وكان زوالها مذهلا للبشرية ، إذ أنها تملك من الوسائل المادية والأسلحة التدميرية ما تستطيع أن تدمر به الكرة الأرضية (270) مرة ،  ومساحتها سدس الكرة الأرضية ومن أغنى دول العالم في الثروات الطبيعية  .

 وحـين اجـتمع كــنيدي مـع خروتشـوف عـام 1962 في النمسـا وأغلقا الباب على نفسيهما ست ساعات ، وأقتسما النفوذ في العالم فيما بين أمريكا والاتحاد السوفيــاتي ، قال كنيـدي لخروتشوف : إن لدى أمريكا ما تستطيع به أن تـدمر الاتحاد السوفياتي 220 مرة - في ذلك الوقت -  فرد عليه خرتشوف :" إن لدى الاتحاد السوفياتي ما يستطيع به أن يدمر أمريكا مرة واحدة وهذا يكفي " .

 وكان لا بد لهذه الإمبراطورية ( السوفياتية ) أن تزول لأن فكرها ينافي الفطرة البشرية ، وفعلا زالت بين يوم وليلة بعد أن قتلت وشردت الملايين ،  ولقد طردت الشعب الشيشاني المسلم من أرضه في القوقاز إلى سبيريا ، وكانت الأطفـال تبكي والنساء تتضرع والرجال تستغيث برب العالمين ، وكان الله للإتحاد السوفياتي بالمرصاد ، فأذن الله بزوال هذه الإمبراطورية الكافرة الملحدة الظالمة بعد حين ، والتي ساهمت في إقامة دولة إسرائيل وإيذاء الشعب المبارك،  فهي الدولة الثانية التي إعترفت بقيام دولة إسرائيل بعد ثلاث دقائق من إعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الدولة ،  وهي بهذا الإعتراف خالفت النظرية الشيوعية التي يزعمون أنها لا تعترف بالقوميات ولا بالأديان ،  وكانت تمد إسرائيل بالأسلحة هي والدول التي تـدور بفلكها وخصوصا (تشكوسلوفاكيا) ( قبل أن يمزقها الله إلى دولتين ويقضي عليها كدولة واحدة ) وذلك لمساندتهـا ودعمهـا لما يسمى بدولة يهود ، وكان هذا من الله جزاء وفاقا ، كما عاقب الله "نيكولاي تشاوسيسكو" زعيم رومانيا وعراب دولة إسرائيل ، فانهار وهو في أوج قوته وقتـل كما تقتـل الكلاب .. وهكذا كل دولة أو زعيم ساهم في تثبيت إسرائيل دولة أو اقامتها نال وسينال وبال أمره ، لأن الله لا يرد دعوة المظلوم ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول :"اتقوا دعـوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبــين الله حجاب" ، وفي حديث آخر يخاطب الله المظلومين الذين يدعونه :"وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" [ حديث قدسي ]  .

 وهكذا استجاب الله دعاء المسلمين الضعفاء ، وذهبت إمبراطورية القيصر ولينين وستالـين .. وعادت المساجد تفتح أبوابها ، والمآذن ترسل نداء "الله أكبر"  كل ذلك حدث بعد يأس  . 

ولقد زرت الاتحاد السوفياتي سابقا عام 1977 ، وكنت أتحدث إلى بعض العلماء في التغيير ، فيقولون بيأس :"ماذا نفعل؟ "، ولكن الله هو الذي فعل، وهو المنتقم الجبار ، وخاضت صاغرة مهزومة ، لكن الأفغان - سامحهم الله - انقسموا  فذهبت الأمال التي كانت تعلق عليهم ، وهذا وضع مؤلم وحزين  . 

-   الزوال القادم للإمبراطورية الأمريكية  :

 ولما كانت سنن الله في الكون لا تتغير ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) فإن الأمر سيتم بزوال الإمبراطورية الأمريكية ،  حيث أن أمريكا كدولة في التاريخ لا يتجاوز عمرها أربعمائة سنة ،  وقامت أول ما قامت على إبادة سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) والتي لا تزال بقية منهم الذين نجوا من الموت ،  يعيشون عيشة بدائية ، وفي تمييز عنصري ، إن الذي دفع الأوروبي ليأتي لأمريكـا حب المال ، ومحاولة الثراء السريع ، بغير اعتماد على ما قررته الأديان من سلوك إنساني راق ، لا ظلم فيه ولا طغيان ، وبغير إهتمام بالقيم الربانية ، فذبح الإنسان كذبح الشاة عندهم ، وهذا لا يزال في أحفادهم ، فالقتل هواية الآن في أمريكا  .

 ولقد قرأت اليوم (24/1/1994) أن العاصفة الثلجيـة التي تجتاح أمريكا الآن ، أوقفت سيدة أمريكية سيارتها في الشارع بسببها ، وذهبت تطرق الأبواب لتأوي نفسها من العاصفة الثلجية حتى تهدأ العاصفة ، ولم يفتح لها أحد بعد أن طرقت عدة أبواب ، وبعد ذلك وجدت في الغابة جثة متجمدة  .

 وظلم آخر قامت عليه الحضارة الأمريكية ، لما بدأ الأمريكان الأوروبيون يعمرون أرض الولايات المتحدة الأمريكية ، احتاجوا إلى أيد عاملة كي تزرع وتقلع ، فبدأوا يغزون شواطيء أفريقيا ويخطفون السود (الزنوج) من بيوتهم ويكتفونهم ويذيقونهم أشد أنواع العذاب ، وبعد ذلك يستعبدونهم ، فنشأت مشكلة العبيد في أمريكا ، وهذه المشكلة الآن ستكون بإذن الله من الأسباب في تفسخ الولايات المتحدة ، وهم يكونون الربع أو يزيد من عدد سكان الولايات المتحدة ،  وتضخمت الولايات المتحدة وأنتفخت كمـا تضخمت الدول الأوروبية الكبرى (بريطانيا ، وفرنسا ، وروسيا وألمانيا .. الخ) من قبلها وأنتفخت ، وإن الأسباب التي أدت إلى زوال تلك الإمبراطوريات هي الأسباب التي ستفسخ الولايات المتحدة الأمريكيــة  .

  قـواعد زوال الإمبراطوريات

 إن هناك قواعد ربانية لا تتخلف تتسبب في زوال الإمبراطوريات منها:

 -   القاعدة الأولى (الـترف) :

 الترف الذي حطم الإمبراطوريات الأوروبية ، تعيش فيه أمريكا الآن ،  والترف من أسباب زوال الإمبراطوريات العظمى في التاريخ ، وحتى الدولة الإسلامية كان من أسباب تفسخها الترف ، والذي تمثل في العصر الأول من الدولـة العباسيـة ومن بعض خلفاء بني أميـة والسلاطين العثمانيين ، والذي يفسخ وفسخ دويـلات الخلـيج  .

 فالإنسان المترف لا يستطيع أن يصمد أمام الأحداث ، ويفقد روح التحدي ، فيتفسخ في نفسـه ، وتتفسخ روحه وتمزق الأمراض جسده ، وهذه قاعدة ربانية قال تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناهـا تدميرا ) [ الإسراء : 16 ] ..  وقد قلت في بيان لي بعد حرب الخليج ،  وكان الكويتيــون قد إتهموا الفلسطينيين والعرب أنهم وراء ما حدث لهم ، فقلت إن الذي أهلك الكويت ومن فيها هم الكويتيون أنفسهم ،  الحكام وترفهم ، والأغنياء وترفهم ، والله يقـول (وضرب الله مثــلا قرية كانت آمنة مطمئنــة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفـرت بأنعم الله فأذاقها الله لبـاس الجوع والخوف بما كان يصنعــون ) [ النحل :  112 ]  .

 ولقد مررت بالكويت سنة 1981 في طريقي للهند لحضور مؤتمر إسلامي ، فخطبت بعد صلاة الجمعة في أحد مساجدها الرئيسة (مسجد العثمان) ،  وكانت الحرب الأهلية في لبنان على أشدها ،  وقد دمرت بيروت ،  فأعدت عليهم الأية السابقة ،  وقلت إن الذي حدث في بيروت سيحدث في الخليج والكويت ، أما متى وكيف لا أدري ،  لأن القاعدة الربانية لا تتخلف سواء للمسلمين أو غير المسلمين ، والحضارة الغربية تحتضر  .

-   القاعدة الثانية (الربــا)  :

 الربا ما دخـل بلدا إلا وأهلكه ،  وأمريكا أفقرت العالم الثالث بقروضها الربويـة ،  وأجاعته ،  وقلت ذلك للسيد أحمد بن بيلا ،  أول رئيس للجزائر بعد الإستقلال ،  فصدق كلامي وقال : " والله ما أفقرنا إلا القروض الأمريكية والربا الأمريكي ،  فوالله لو أكلنا من قمحنا وعدسنا وبصلنا ومن خيرات بلادنا لما أصابنا هذا الفقر الذي نعيش الآن  "  .

 وعودة إلى الكويت والخليج والعراق ،  فالربا كان من أهم العوامل في تدمير الكويت والخليج والعراق ،  فالإنسان في الكويت ربوي ،  والسيارات ربوية ،  والطائرات ربوية ،  والأكل ربوي والحياة كل ما جل منهــا ودق ربوية ،  فلمـاذا تتخلـف القاعـدة القرآنيــة من تدمـير الكويت والخلـيج والعراق بسبب الربـا ؟ .

 والله يقول (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) [ البقرة : 276 ] ..  وقاعدة تخريب الربا للاقتصاد والحياة تنطبق على المسلمين وعلى غـير المسلمـين أيضا . فقد أخذ الربــا شكله الـبنكي في الـقرن السابع عشر ، ونتيجة لذلك كان في القرن الثامن والتاسع عشر حروب دموية ، بين الدول الأوروبية ،  فلما إستفحل أمر الربا كانت الحرب العالمية الأولى في بداية القرن العشرين ،  فأكلت الأخضر واليابس ، ودمرت كل ما عمله الربا في أوروبا ، وانتعش الاقتصاد العالمي بعد الحرب الكونية الأولى إلى أن كانت سنة 1929 ،  فانهارت (80%) من بنـوك وشركات أمريكا ، وأعلنت إفلاسها ، وتبعها العالم كله ، فحدثت أزمة اقتصادية عالمية خانقة ، فجاءت الحرب الكونية الثانية ،  تهدم كل شيء بناه الربا (الإنسان ، المدن ، الحيوان) . وجاءت الاشتراكية في البلاد العربية ، وصادر عملاء أمريكا (الاشتراكيون) أموال الناس ، وأراضيهم ،  والبنوك والشركات ، وهكذا استمر محق الربا  .

 وتضخم الربا في أمريكا ،  وبدأت تفلس شركات عملاقة ،  وتغلق كثيرا من مصانعها مثل (جنرال موتورز ، وفورد ومصانع الحديد) مما أدى إلى بطالة مرتفعة ،  وبدأت الحرب الإقتصادية الخفية والعلنية بين السوق الأوروبية المشتركة وأمريكا ،  وكذلك بين أمريكا واليابان التي تعاني أيضا من أزمة إقتصادية خانقة بعد الإزدهار الإقتصادي الذي عاشته منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية  .

 -   القاعدة الثالثة (الظـلم)  :

 الحضارة الغربية قائمة على تفوق الجنس الأبيض ، وبذلك هي تحتقر بني البشر الذين ليسوا من هذا الجنس . وتجد ظلم الشعوب الملونة لا يكون خروجا عن عقيدتها ورسالتها ،  فهي تفتعل الثورات التي تريدها لتنقض بها على كثير من بني البشر . وهي تسرق خيرات الشعوب ،  فالمواد الأولية في العالم الثالث كله ، هي التي تغذي مصانع الغرب ، وتتولى إدارة ( انتاج وتسويق ) المواد الخام شركات غربية ،  فتأخذها بأبخس الأثمان وتبيعها مصنعة بأثمان مرتفعة  .

 وبعد ذلك تخرج على العالم في التلفاز ،  وتأتي بصور عن المجاعات ،  وتبرز بوجه حضاري على أنها تقدم المعونات .  فهي وراء المجاعة ،  فتأكل أموال الشعوب بالباطل ،  ثم تذرف عليهم دموع التماسيح  .

 كل شعـوب العالـم الإسلامي ذاق الأمرين من الـغرب وأهله من أمريكا وحضارتهـا ، والغرب على رأسه أمريكا يحقد على المسلمين لا لسبب إلا لأنهم مسلمون فقط ، فهو حقد على الله ورسوله والقرآن ، ولذلك ترفض أمريكـا بالذات والدول الغربيـة تبـعا لها يرفضـون كل قـرار يصدر عن مجلس الأمن فيه إدانة ليهـود ، فاليهـود لهم الحق بأن يقتلوا الأطفـال والنساء والرجـال ، فإذا ما قتل المسلمون يهوديا اضطرب البيت الأبيض ، وأضطرب البنتاغون ،  وزمجرت وزارة الخارجية أن (الهمج) من المسلمين قتـلوا يهوديا (يهـودي دمه زكي) لا يصـح أن يسفـك ، أما المسلم فدمه حلال .. لأن الغرب بقتــل هذا المسـلم يريـد أن يعلمه الحضارة ، فها هي أمريكا لا تريد أن يصـدر قــرار من مجلس الأمن لإدانة دولة يهود بعد مجزرة (الحرم الإبراهيمي الشريف) يوم الجمعــة (15/رمضان/1414 هـ) ، والتي خططت سلطات العدو ونفذها جيش يهود في فجر يوم جمعة ، فقتلوا العشرات وجرحوا المئات من المصلين وهم ساجدون بين يدي الله فخرجت أرواحهم ،  تشكوا ظلم الكفار ، وتآمر الحكام الذين خانوا الأمانة ، والذين يشاركون في تنفيذ مخططات عدو ، حتى إذا وقعت الكارثة نددوا بها بأسلوب شاعري ، على أن لا تمس مشاعر يهود لئلا يغضبوا أمريكا والغرب لأنهم من الماسونيين العقلانيين ، ومن المتآمرين على أمتهم وعلى هذا الدين  .

 وأمريكا ترفض الحماية الدولية للشعب في فلسطين ، لأن من حق يهود أن يقتلوا ما شاءوا ويذبحوا ما شاءوا من هؤلاء المسلمين ، ولكن كل ذلك إلى حين،  ستكون النهاية ليهود ،  نهاية لم يعرفها التاريخ ، حينما يمكن الله لنا في الأرض ،  لأن يهود بحقدهم على المسلمين ،  وقتلهم وتعذيبهم الأطفال والنساء والرجال لم يتركوا بابا للرحمة عليهم ،  ولا للصفح عنهم  .

 وأمـا (أمريكا) راعية الظلـم فـي العالـم فـأوكـلنـا الأمـر للـه لتدميرها ،  وقـد بدأ ذلـك كمـا أشـرنا إليــه ولا مجال لإعـادتـه ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبــا ) [ الإسراء :  51 ]  .

 إن الظلم والفساد والإنحلال الذي مارسته الكويت (من حارات الخليج) من أسباب النكبة التي أصابتهم ، فقصم الله الكويت ، ولن تبقى كويت بعد اليوم ،  إسمع إلى قول الله تعالى (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين * فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وأرجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهـم حتى جعلنــاهم حصيدا خامـدين ) [ الأنبيــاء :  11-14 ] .. 

 وهذه الآيات تشمل الكويت وستشمل بقية حارات الخليج وستشمل أمريكا وأوروبا ..  فلتنتظر أمريكا الدمار وكذلك أوروبا (وإن من قرية إلا نحن مهلكوهـا قبل يوم القيامة أو معذبوهـا عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا) [ الإسراء :  58 ]  .

 وهكذا ،  يصدق الغيب ،  ولا يفلت أحد من قبضة الله والقواعد التي جاء بها القرآن الكريم لتنظيم شؤون الحياة لا تتخلف منها قاعدة ،  والعوامل الأخرى التي تنخر في جسم الولايات المتحدة الأمريكيــة ،  تبشر بزوالها عن قريب كدولة عظمى ، فهناك المخدرات التي وصلت إلى أطفال المدارس ، والتي تقتل الإنسان قتلا بطيئا ، بالرغم من أن أمريكا تشن حربا لا هوادة فيها على مهربي المخدرات ، لكنها لم تنجح في القضاء عليهم ، ويزدادون يوما بعد يوم  وهذا مما يدل على تفسخ الجهاز الأمني الأمريكي ، وأنهم شركاء مع المهربين ، وكذلك المسكرات ، وبعد ذلك تأتي الأمراض ، وكانت نتيجة طبيعية للشذوذ الجنسي والزنا ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول :"ما فشت الفاحشة في قوم إلا وسلط الله عليهم أمراضا لم تكن في الذين سبقوهم" ،  وبدأ الأيـدز يعمل عمله وهو أخطر من القنبلـة الذرية ، خصوصا إذا علمنا أن كاليفورنيا وهي من أكبر الولايات المتحدة الأمريكية نسبة الإيدز فيها  (20%)  كما نشر عالميا ، هذا بالإضافة إلى أمراض أخرى وعلى رأسها السرطان وغيرها من الأمراض الفتاكة . وهكذا بدأ يعاقب الله الشعب الأمريكي بإنحرافه عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ويأتي بعد ذلك الجريمة المنظمة (المافيا) التي تجعل حياة الإنسان في الولايات المتحدة في إضطراب دائم وخوف وقلق ،  مما يسبب الأمراض النفسية والتي لم تعد المستشفيات قادرة على استيعاب المرضى النفسيين ، لأن هؤلاء أعرضوا عن ذكر الله (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) [طه : 124]  لأن الذي يجعل القلوب تهـدأ والنفوس تطمئن ذكر الله (ألا بذكــر الله تطمئن القـلـوب) [ الرعد : 28 ]  .

 

نعم لقد كسبت أمريكا العلم ، وتفوقت فيه وأستعملته لتدمير النفس البشرية ، ولكنها خسرت الإنسان ،  والمفروض أن العلم يجيء لخدمة الإنسان وسعادته ،  لا لتدميره وإرهابه ،  ويقول الذين عاشوا في أمريكا إنه من الصعب أن يسير الإنسان في شوارع المدن الأمريكية الكبرى بعد الساعة الثامنة ليلا ،  وخصوصا إذا كان مظهره يدل على أنه يحمل مالا ،  فسرعان ما سينقض عليه رجال المافيا والجريمة ويسلبونه كل ما يملك أو يقتلوه أو الإثنين معا  .

 فأصبح المجتمع الأمريكي مجتمع القسوة الذي لا يعرف الرحمة ،  إلا في خدمة الجشع والطمع والمال الأمريكي ، والأمريكان الذين جاءوا بالسود (الأفارقة) إلى أمريكا فأستعبدوهم وأذلوهم وأحتقـروهم ،  الآن بدأ العنصر الأسود في أمريكا يهدد أمريكا بالخطر ، والأسود في أمريكا ليس له إلا طريقان : إما أن يسلم فيعيش بأخلاق وطهارة ورحمة وأخوة الإسلام ،  وإما أن ينحرف فيعمل في المجتمع تدميرا وتخريبا ،  وكلا الأمرين أحلاهم مر بالنسبة لأمريكا ،  فالأمريكي الأبيض سليل القتلة والمجرمين من قتلة السكان الأصليين ،  لا يريد الإسلام ،  بل قل لا يريد الإطلاع على الإسلام ،  ومن جهل شيئا عاداه . . إلا من رحم ربك ممن إصطفاهم ربك للهداية  .

 لذلك هناك كثير منهم الآن ممن أراد الله لهم الهداية فأطلعوا على الإسلام ،  أهتدوا ورأوا في الإسلام الخلاص .  وهناك تململ بين ولايات الشمال الغنية والولايات الجنوبية الفقيرة نسبيا ،  فولايات الشمال تقول :" لماذا نطعم الفقراء في الولايات الجنوبية ؟ " . وقد جاءتني صحفية أمريكية من مجلة نيويورك تايمز وهي بنفس الوقت باحثة اجتماعية ،  فلما شرحت لها العوامل التي ستدمر أمريكا صفنت ثم قالت : " إنا نعالج ذلك بالديمقراطية " ،  ولما شرحت لها ظلم الأمريكان قالت : " ما دمتم تعتقدون أن أمريكا هي كل شيء بالنسبة لإسرائيل ،  فلماذا لا تشتغلون بالأمن الأمريكي ؟ - وهي تريد بهذا السؤال أن تصل لشيء ما في نفسها - فقلت : " إننا أضعف من أن نشتغل في أمن أمريكــا التي تملك السلاح الفتاك ،  ولكننــا تركنا الأمر لله يدمر أمريكا حسب القواعد الربانية التي جاءت بها الكتب المقدسة وخصوصا القـرآن " . .  فسكتت  .

 وفي خلال عام من الزمن ، داعب الله الولايات المتحدة فأعطـاها إنـذرات أوليــة ، تمهيدا لتدمـيرها وهلاكها بإذن الله ، فأثار إعصار (أندروز) ووصل إلى بيت الرئيس بوش في تكساس فدمـره - وهو بيت العائلة - ثم جاءت فيضانات المسيسبي التي جرفت تربة الملايين من الأفدنة على ضفتي النهر إلى المحيط ،  والتي لم تعد صالحة للزراعة للأبد ، ثم الحرائق في غابات كاليفورنيا والتي دمرت الملايين من الأشجار ووصلت إلى المكسيك ، وعجز العلم والسلاح الأمريكي من إطفائها ، وكلما أطفأوها من ناحيــة جاءت الريح وهي من جند الله وأشعلتها من الجانب الأخر ، ثم جاء الزلزال في (لوس أنجلوس/كاليفورنيا) ،  فدمر وزمجـر وشرد الألوف من سكانها ،  وكما قال الرئيس كلينتون إن الجسور التي دمرها الزلزال دمرها كما يدمر الإنسان حبة البسكويت  .

 وأخيرا وليس آخرا جاء الصقيع والعواصف الثلجية فجمدت الإنسان والحياة والكهرباء والماء ،  وهكذا تمضي أمريكا نحو نهايتها بقوة العزيز الجبار كدولة عظمى  .

  التغـيير الكوني في الـقرآن

 الله جعل قضية فلسطين فتنة للعالمين ، يهلك بها دولا ، ويهلك بها جماعات ويهلك بها أفرادا ، ويدخل بها أقواما النار وأقواما الجنة . وهذا الذي حدث للإمبراطوريات السابقة في هذا القرن (قرن العشرين) ويحدث للإمبراطورية الأمريكيـة ، هو ما تحدثت عنه آيات القرآن وقواعد الإسلام ولنبدأ ببيانهـا  : 

-   الآية الأولى  :

 ) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ) [ فصلت : 15-16 ]  .

 هناك قاعدة عند علماء أصول الفقه تقول : " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " أي حينما تنزل آية لسبب من الأسباب ، فإن حكمها لا ينحصر في هذا السبب ، وإنما يشمل كل ما يشابهه إلى يوم الدين لإشتراكهما في العلة  .

 ومن هنا كان باب الاجتهاد ، والذي أثرى الفقه الإسلامي عبر التاريخ ،  فالأمبراطوريات التي زالت وستزول في هذا القرن وعبر التاريخ ، شاركت الله في الوهيته وجبروته ، فأصابها الغرور ، فحللت وحرمت ، ومنعت وأباحت ،  وعذبت وأضطهدت ، والتحليـل والتحريـم هو عمـل اللـه ، ولـذلك لما نـزل قـول الله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عن ما يشركون) [ التوبة :  31 ] ..  قال عدي بن حاتم الطائي - وكان نصرانيا فأسلم - :" لم يتخذوهم يا رسول الله أربابا -يعني الأحبار والرهبان-  قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألم يحلـوا لهم ويحرمـوا عليهم ؟ قال : بلى ، قـال : هذا هو عمل الله " ،  أو كما قال عليه الصلاة والسلام  .

 وأمريكا اليوم تمثل الإستكبار العالمي ، كما إستكبرت عاد في التاريخ ،  ولقد سمعت بوش بأذني يقول في حرب الخليج كما قال قوم عاد بالنص :" قال : نحن أمريكا من أقوى منا ! " وكأنه يريد أن يقول علينا أن نأمر فيكون السمع والطاعة على جمـيع الناس ، فقلت وكان من حولي قوم :"أهلك بوش قوم " ..  لأنه نسي أن الله أقوى من أمريكا ، بل أقوى من الكرة الأرضية ، بل أقوى من السمـاوات والأرض .. لأنه خالقها والخالق لا يعجزه شيء ، وما هي أمريكا ؟!! وما هي الكرة الأرضية ؟!! . والحديث الذي رواه أبو ذر عن الرسول صلى الله عليه وسلم :"ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة " [ القرطبي 2 - 278 ٍ]  .وكان هــلاك أمريكا أوله هـلاك بوش ،  إذ سقط في الانتخابات ،  فبدأ الله به فأذله ،  مع أنه خاض الإنتخابات بعد حرب الخليج ،  وكان المفروض أن يصبح بطلا تاريخيا في أمريكا ،  وبدأ الله بعدها يفعل الأعاجيب في أمريكا ،  وهاهم الجنود والضباط الذين شاركوا في حرب الخليج يصابون بأمراض جسدية ونفسية لا يجدون لها علاجا - بالرغم من التقدم الطبي في أمريكا -  .

 إن كل ما أهلك الله به الأمم السابقـة (أقـوام الأنبيـاء) موجـود الآن في الحضارة الغربية وفي أمريكا بالذات ، فكان الله يهلك القوم لذنب من الذنوب ، الشرك والالحاد ، أهلك الله به فرعون وحزبه ، وقد أهلك الله به الاتحاد السوفياتي في هذا القرن ، (اللواط) أهلك به الله قـوم لوط ، واللواط مرخص به في الغرب وأمريكا ، حتى وصل بهم الاستهتار بالله وقوانينه ، ومخالفة الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، أن أباحوا زواج الرجل بالرجل ، والمرأة بالمرأة ،  ووصل الاستهتار ذروته حتى أنشأوا محاكم -في مدينة سان فرانسيسكو- لفض المنازعات بين الزوجـين من الذكـور ..  وهكذا كل ما أرتكبتـه الشعـوب عـبر التاريخ الآن يجتمع في الحضارة الغربية بشكل عام وأوروبا وأمريكا بشكل خاص ( وأنتظروا إنا معكم منتظرون ) [ هود :  122 ]  .

-   الآية الثانية  :

 وتمضي الآيات ويمضي الغيب ليحدثنا عن حتمية هزيمة الحضارة المادية ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيـل الله فسـينفقـونهـا ثم تكـون عليهم حسـرة ثم يغلبــون والـذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) [ الأنفال : 36 ] ..  والمتتبع لهذه الآية التي ترسم ما قام به الكفار عبر القرون الأخيرة ،  بعد هزيمتهم في الحروب الصليبية ،  وخروجهم من المنطقة أذلاء مقهـورين ،  عرفوا سر النصر في المسلمـين وأنه يكمن في الإسلام ،  فخططـوا لإخراج الإسلام من المسلمـين أو إخراج المسلمين من الإسلام ، فقاموا بنشر الخرافات والتشكيك في أحكام الله ،  وإثارة قضايا جانبية بإشغال المسلمين عن الجوهر وتشجيع الانحرافات الفكرية ، وتشجيع الغلاة من الصوفية الذين لا يقولون بمحاربة الكفار ، وأن محاربتهم إعتداء على (قدر الله) ، لذا هم يتعاونون مع الكفر ويرضخون له ،  وقد قلت لهم مرة في أحد الأحاديث الإذاعية :" إن قولهم لا يجوز مقاومة الكفــار والإستعمار لأن مقاومته إعتداء على ( قدر الله ) هو جهل فاضـح ،  لأن الجاهليــة كانت قدر الله ،  فكان على الله أن لا يرسل الأنبيــاء لتغيير هذه الجاهليــة " !!  .

 وقد حدثني أحد الصوفيين ممن طمس الله على قلوبهم وأبصارهم ،  أنه لما أحتلت فرنسا المغرب ودخلت بلدا مدفون فيها رجل يزعمون أنه ولي ،  فتسائل أحدهم أمام شيخ الطريقة :" كيف يدخل الكفار بلدا فيها هذا الـولي المدفـون ؟ " ، فزجـره شيخه وقال له :" لقد رأيت هذا الولي يقود فرس القائد الفرنسي بنفسه ويدخل به البلدة ".. وهكذا انتشرت الخرافة والجهل والكفر ،  وهم يجهلون أن تغيير قدر الله يكون بقدر الله في إرسال الرسل واتباعهم إلى يوم الدين  .

 وبعد ذلك أخذ الغرب ينحوا منحا أخر في مقاومة الإسلام ،  فأنشأوا المدارس التبشيرية والتي تجعل المتخرج منها ليس له إنتماء ،  فهو ليس مسلما وليس نصرانيا وليس يهوديا ، وإنما هو مهزوز الشخصية مضطرب في كل حياته (إلا من رحم ربك) ،  وبلغ الأمر ذروته بإنشاء الجامعة الأمريكية في بيروت ،  هذه الجامعة التي خرجت الأفواج التي ساهمت في (اسقاط السلطنة العثمانية) وإقامة دولة يهود ، ويحضرني هنا أن مسؤولا أمريكيا جاء إلى المنطقة ،  فلما زار لبنان وأجتمع بخريجي الجامعة الأمريكية قال :" لو لم تكن الجامعة الأمريكية موجودة في المنطقة ،  لكان وضعنا أسوأ بكثير " ، وهكذا أدت هذه الجامعة رسالتها في تغريب فكر كثير من الشباب ، وإيجاد نمط الحيـاة الأمريكيـة في العيش في فئة من  المجتمع الإسلامي ،  وتتابعت الجامعــات التي تعتمد على الحضارة الغربية في مناهجها ، وقد حاول الغرب أن يقضي على جامـع الأزهر بحجة تطويـره ،  فأنشـأ مدرستين على المستوى الجامعي لتحل محل الأزهر ،  واحدة للغــة العربيــة وآدابها وهي دار العلـوم ،  والثانيــة للقضاء الشرعي ( مدرسة القضاء الشرعي ) ،  ولكن المدرستين لم تنجحا باداء الرسالة التي أنشأت من أجلها ،  فأندمجت دار العلوم في جامعة القاهرة ،  وأغلقت الثانية .  ولقد حاولت المخابرات الأمريكية مرة أخرى تطوير جامع الأزهر بعد ثورة (23/يوليو) ،  فأرسل عبدالناصر أحد وكلاء وزارة التربية والتعليم إلى أمريكا ،  كي تدربه المخابرات الأمريكية هناك على كيفية تخريب جامع الأزهر بحجة تطويره ،  ولقد أصبح الأزهر جامعة من الجامعــات الكثـيرة الموجودة في مصر ،  وقد فقد مركزه كحصن حصين للإسلام وروحــه اللغة العربيـة ،  وأخذ يخرج أفواجـا من الجهلة ،  وقد رأيت بأم عيني وكنت عضوا في إحدى لجان التعيين بوزارة الأوقاف ( الأردن ) ،  كيف أن بعض حديثي التخرج من الأزهر وقد قدموا طلبات التعيين من كليــات الشريعة والقانون على جهل عظيم بكل شيء ،  حتى أن أحدهم لا يحفظ قصار السور ،  وكانت الخطة أن يأخذ هؤلاء الشباب في الصيف إلى المصايف المصرية ليتأقلموا مع الحياة العصرية .

 

لكن الله كان بهذا الدين رؤوف رحيم ،  فأنشأت كليات للشريعة وأصول الدين في كثير من الدول العربية والإسلامية ،  وحلت محل الأزهر في تأدية رسالته ،  وكذلك أنشأ الغرب النوادي بدلا من المساجد لينصرف إليهـا الناس وخصوصـا الشبـاب ليعيشوا حياة ليس لها رسالة ،  وليقضوا أوقاتهم في اللهو واللعب ،  وأخيرا أنشأوا النوادي الرياضية وخصوصا نوادي كرة القدم التي حلت محل الأحزاب ،  فبدلا من أن يفكر الشاب في كيفية خلاص أمته ويحمل هم قومه ،  تراه قد تعصب لناديه تعصبا لا مثيل له ،  وكأنه في إنتصار ناديه بكرة القدم تنتصر أمتـه ،  ولقـد مات بعضهم من شدة التـأثر حينمـا إنتصر ناديـه أو إنهـزم ،  فذهـب ( شهيد الكرة ) بدلا من أن يكون ( شهيد المعركة )  .

 وأستخدم الغرب ( النواحي الإنسانية ) لمحاربة الإسلام ،  فأنشأ المستشفيات ،  والمستوصفات ،  ودور الأيتام ،  وتقديم المساعدات للمحتاجين ،  كل ذلك القصد منه محاربة للإسلام والمسلمين ،  وهذا الذي يقوم به الغرب من أعمال إنسانية والإغاثة البشرية وديمقراطية غربية ،  حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ،   ففي صحيح مسلم - باب علامات الساعة - عن المستورد القرشي أنه قال في مجلس كان فيه عمرو بن العاص : " تقوم الساعة والـروم أكــثر الناس " ، فقـال له عمـرو :" أبصر ما تقـول " ،  فقـال المستورد :" حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " ،  فقال عمرو :" أما وقد قلت :"  فإن فيهم خصالا أربع ،  أحلم الناس عند فتنة ،  وأسرعهم كرة بعد فرة ،  وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ،  وخيرهم لمسكين ويتيم وأسير وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك " أو كما قال صلى الله عليه وسلم .  وكانت النوادي في بادىء الأمر مقتصرة على أبناء الطائفة النصرانية من أبناء المنطقة ،  ولكنها لم تؤدي الرسالة المطلوبة ففتحوا أبوابها لإبناء المسلمين كي تؤدي رسالتها فيهم ،  لأنها من أجلهم أنشأت ،  فقد أنفق الغرب الملايين بل قل المليارات على هذه الأغراض المتقدم ذكرها ،  حتى ظن الغرب وأبناء المنطقة ممن آمنوا بثقافته وحضارته أن الإسلام قد إنتهى أو كاد ،  وأنه دين المتخلفــين عقليــا أو المتبطلـين .  ولا أزال أذكر أني بعد تخرجي من الأزهر عام (1949) وقد عينت معلما في مدينة الخليل بفلسطين ، وكنت أسير أنا وأحد مفتشي التربية ومدير مدرسة مخضرم ،  فذكرت لهما حرمة الربا أثناء الحديث ،  فما كان منهما إلا أن نصحاني بما يشبه الزجر أن هذا الأمر لا يصح بحثه الآن ،  وأن الربا من ضروريات الحياة ،  وأن العالم إستقر في معاملاته على الربا ،  وكأنهم يستهزؤن بكل حكم شرعي ( يا أيها الذين آمنــوا لا تتخــذوا الذين أتخــذوا دينكم هـزوا ولعبــا من الذين أوتـوا الكتـاب من قبلكم والكفـار أوليـاء وأتقــوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديـتم إلى الصـلاة أتخذوهــا هزوا ولعبــا ذلك بأنهم قـوم لا يعقلون ) [ المائدة :  57-58 ]  .. مع أن الأحداث في الدنيا الآن تبين لنا كيف عذب الربا ويعذب الإنسانية التي تعاني من أزمات إقتصادية متلاحقة ، وكيف أن الإنسان في ظل الربا يعيش مهموما متوتر الأعصاب لا يهنأ بعيش ولا يتلذذ بطعام ، ويوم القيامة يقوم من قبره مذعورا كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، وهو في الدنيا كذلك مذعور دائما ، نزلت الأسهم فينزل ضغطه معها ، ارتفعت الأسهم فيرتفع الضغط معها ، ارتفعت الأسهم فترتفع نبضات قلبه معها ، حان موعد الكمبيالة ، السوق واقف فيذهب إلى بيته مهموما مغموما كيف سيدبر الأمر فيصفن ، فتقول له زوجته مالك يا رجل ، فيجيب جاءت ساعة الكمبيالة ، ولا أدري من أين سأسددها ، هاتي ذهبك وذهب أختك وذهب بناتك وهكذا المرابي يقترض بالربا أو من يقرض بالربا في إضطراب لا يهدأ ، والبورصات العالمية الآن بين فترة وأخرى يصيبها الكساد ، فتخسر المليارات في لحظات ، ويخسر كثير من المرابين حياتهم مع خسارة البورصات ،  فتصيبهم السكته ، أوالشلل أو إلى غير ذلك من الأمراض ، ويصدق القرآن في الـمرابـين ( الذين يأكلــون الربا لا يقومـون إلا كمــا يقــوم الـذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فأنتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) [ البقرة :  275 ]  .

 وتبدأ التفليسات ،  ويمحق الله الربا في الأزمات الإقتصادية وبالحريق والغريق ،  والحروب ،  والزلازل ،  وتصادم الطائرات ،  والسيارات وغرق البواخر وحاملات النفط ،  ويصدق الغيب ،  والغيب دائما صادق ،  لأن الغيب من الله وما أخبر به الله يتحقق  .

 والذين كفروا أنفقـوا أموالهم وينفقونها لإقامـة وتثبيت دولـة يهود ،  فهل تبقى دولة يهود ؟ إنها لن تبقى ،  لأن الآية تتكلم عن المستقبل ، فتقول ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ) ،  وقد بينت كيف أنفقوا أموالهم في كل وجه وسبيل ،   ليصدوا عن سبيل الله واطفاء نوره سبحانه وتعالى . وبعد ذلك تمضي الآية فتقول :" فسينفقونها " أي مستقبلا وليس حين نزول الآية ،  لأن الـسين هنا سين الاستقبال ،  وبعد أن ظنوا أنهم بهذا الإنفــاق أطفـئوا نـور الله يجيبهم الله فيقول : ( فسينفقونهــا ثم تكون عليهم حسرة ) . .  وهكذا كان ،  فإذا الصحوة الإسلامية تقلب الموازين رأسا على عقب ،  وإذا الشباب المتعلم في مدارس الغرب ومناهجه دعاة إلى الله ،  حفظة للقرآن ، يقومون الليل ويصومون النهار ويترفعون عن الدنيا والدنايا ، وكثير من الشباب في بلاد المسلمين يذهبون لإكمال تعليمهم في الغرب ، ويذهبون غير متدينين أو مقصرين في عباداتهم ويرجع الواحد منهم فإذا هو داعية إلى الله وقد أطلق لحيته ويبدأ في هداية أهله إن كانوا مقصرين . ويفاجأ الغرب كيف حدث هذا الأمر ؟!!  وكيف يعالجون هذه الظاهرة ؟. وكأن النفس الإنسانية بأيديهم ، والغواية والضلالة في الإنسان تحت أمرهم ، ويأمرون عملاءهم من المفكرين والسياسيين ،  أن يعالجوا هذا الأمر الخطـير ،  ولم يعلموا أن الرسول صلى الله عليـه وسلم قال :""  قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء  ""  .

 ولقد أتيح لي في عمان أن أجتمع إلى نخبة من الأطباء الذين تخصصوا في الغرب ،  لأحدثهم عن الحل الإسلامي لمشاكل الأمة .  فقلت لهم :" أنتم الذين رأيتم الغرب بأم أعينكم وإنهيار حضارته ، وتعذيب إنسانه ، وشقاء الأنثى فيه التي أصبحت سلعة تباع وتشترى للأفلام السينمائية والمســارح والمواخير وإلى غير ذلك ، مما أشقى الإنسانية وأشقاها" ،  وقلت : " إن اجتماعي بكم هذا ،  هو علامة من علامـات التغيير في المجتمـع ورجـوع المجتمع إلى أصوله والأمة إلى عقيدتهـا "  .

 وفي مجال الصحوة الإسلامية والتي ليست في مكان بعينه وإنما تكاد تشمل العالم كله حدثت هذه الصحوة في فلسطين القسم المحتل سنة 1948 وكان من ضمن مظاهرها إطلاق اللحى والتنادي بالفكر الإسلامي ،  مما جعل يهود يستغربون هذا الأمر وكانوا يظنون أنهم قضوا على بذرة الإسلام في قلوب الشباب ،  فألفوا لجنة